«إسرائيل رأت فيه فرصة للسلام».. رئيس سابق لـ«MI6» يكشف دوافع اغتيال لاريجاني
كشف الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية «أم آي 6» جون ساورز، عن قراءة لافتة لدوافع اغتيال علي لاريجاني، معتبرًا أن إسرائيل تعمدت استهدافه لأنها رأت فيه شخصية قادرة على التوصل إلى اتفاق سلام مقبول لدى إيران والولايات المتحدة.
وفي مقابلة مع «فايننشال تايمز»، ربط ساورز بين اغتيال لاريجاني والتحولات داخل النظام الإيراني، محذرا من أن الصراع لم يعد خارجيا فقط، بل أصبح مرتبطا أيضا بمن يملك القرار في طهران.
لاريجاني.. ورقة تفاوضية أخرجتها إسرائيل من الحسابات
وقال ساورز إن لاريجاني كان الشخص الذي يمكن أن يؤدي دورا مركزيا في تسوية الصراع، ولذلك اعتبره الإسرائيليون تهديدًا، موضحًا أن قدرته على الوصول إلى اتفاق مقبول من الطرفين جعلت وجوده مؤثرا في أي مسار تفاوضي محتمل.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها من الخلفية السياسية والأمنية للرجل، الذي شغل بين عامي 2005 و2007 منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وكان في الوقت نفسه كبير المفاوضين النوويين لبلاده.
كان ساورز نفسه مشاركا في المفاوضات النووية التي خاضتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا مع إيران خلال تلك المرحلة، حين كان يشغل منصب المدير السياسي في وزارة الخارجية البريطانية.
واستقال لاريجاني في العام نفسه من منصبه الأمني والملف النووي وسط خلافات مع الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد، ليخلفه سعيد جليلي.
صراع على السلطة.. والمدنيون يتراجعون
لا يرى ساورز أن التطورات الأخيرة يمكن تفسيرها من خلال المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وحدها، إذ تحدث عن صراع على السلطة داخل إيران، معتبرا أن النظام يتجه بصورة متزايدة نحو الطابع العسكري، بينما يجري دفع المدنيين إلى الهامش.

وفي هذا السياق، أشار إلى محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، قائلا إن الآمال كانت كبيرة في قدرته على لعب دور سياسي مهم، لكنه لم يعد، وفق تقديره، في قلب التطورات الحالية.
ويكتسب هذا الموقف أهمية لأن اسم قاليباف تردد خلال الأشهر الأخيرة باعتباره أحد أبرز الشخصيات القادرة على المشاركة في مفاوضات السلام مع واشنطن، كما شارك بالفعل في المحادثات.
وتفتح هذه التصريحات الباب أمام سؤال أكبر حول الجهة التي تتخذ القرارات فعليا داخل إيران، في ظل تراجع الشخصيات المدنية والتفاوضية وصعود نفوذ المؤسسات العسكرية والأمنية.
واشنطن أخطأت.. وطهران أخطأت أيضا
يرى ساورز أن الولايات المتحدة قللت من قدرة إيران على الصمود، بينما أخطأت طهران في تقدير قدرة واشنطن على تحمل المواجهة. لكنه لا يتوقع نهاية سريعة للصراع، مرجحًا استمرار الوضع الحالي عدة أشهر قبل أن تبدأ الضغوط الاقتصادية في إحداث تأثير أكبر على النظام الإيراني، كما اعتبر أن القيود التي تواجهها واشنطن سياسية بدرجة أكبر من كونها اقتصادية.
واستند الرئيس السابق لـ«أم آي 6» إلى تاريخ طويل للولايات المتحدة في الانسحاب من الحروب عندما تصبح مكلفة ومؤلمة، مستشهدا بفيتنام ولبنان عام 1983 والصومال بعد عشرة أعوام وأفغانستان خلال رئاسة جو بايدن.
إيران أمام ضغط اقتصادي.. والشارع تحت الرقابة
وفي المقابل، قال إن التوصل إلى تسوية شاملة ما زال بعيدًا، واستبعد ساورز في الوقت الراهن حدوث اختراق سريع داخل إيران، مشيرا إلى أن الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في بداية العام تعرضت لقمع شديد، وربما أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص.
واعتبر أن طليعة المعارضة في الشوارع تعرضت لضربة قاسية، بينما أصبحت أجهزة الأمن أكثر قدرة على السيطرة بفضل تقنيات المراقبة الصينية.
لكن هذه السيطرة، وفقا لتقديره، ليست مضمونة إلى الأبد، فإذا أصبح الإيرانيون غير قادرين على توفير الطعام أو الحصول على الكهرباء والمياه بصورة منتظمة، فقد تتغير المعادلة الداخلية، ويرى ساورز أن الضغط الاقتصادي سيحتاج إلى وقت قبل أن يتحول إلى تهديد سياسي مباشر للنظام.
مضيق هرمز.. ورهان أمريكي على الوقت
ورغم ذلك، لا يتوقع ساورز انسحابا أمريكيا كاملا من الشرق الأوسط، بل يرجح أن تبحث واشنطن عن تسويات جزئية تسمح لها بتقليص وجودها تدريجيا.
وأشار إلى المحادثات بين عمان وإيران بشأن شروط مرور السفن في مضيق هرمز، لافتا إلى عودة بعض ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال إلى عبور المضيق.
وبحسب ساورز، تتقدم الولايات المتحدة حاليا «بالنقاط» في المواجهة، بينما تواجه إيران خيارات محدودة، لكنه يتوقع في المدى البعيد أن تفضل واشنطن خفض حضورها الإقليمي، وأن تنتهي دول المنطقة في نهاية المطاف إلى صيغة للتعايش مع إيران.
وتكشف تصريحات ساورز، في مجملها، أن اغتيال لاريجاني لا يمكن النظر إليه باعتباره عملية منفصلة عن الصراع على مستقبل إيران؛ فالرجل الذي امتلك خبرة طويلة في الأمن والتفاوض النووي كان وفقًا لهذا التقييم، أحد القادرين على فتح باب التسوية، بينما يدفع غيابه المشهد الإيراني نحو مزيد من التعقيد العسكري والسياسي، وهذا يجعل أي تسوية مستقبلية رهنا بتغيرات داخل بنية النظام الإيراني نفسه.





