د. ضياء حلمي أمين غرفة التجارة المصرية الصينية: بكين ترى القاهرة «صديقًا موثوقًا».. والعلاقات الاقتصادية مرشحة لأفضل 10 سنوات مقبلة (حوار)
د. ضياء حلمي، الأمين العام لغرفة التجارة المصرية الصينية في حواره لـ«الرئيس نيوز»:
زيارة الرئيس الصيني لمصر تاريخية وتأتي وسط أزمات واختلالات اقتصادية عالمية
حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ نحو 20.8 مليار دولار خلال 2025
السياحة جزء مهم لتقليص العجز التجاري والصين لديها 200 مليون سائح سنويا
أكثر من 3 آلاف شركة صينية تعمل في مصر حاليًا وهو رقم غير مسبوق
نقل تكنولوجيا السيارات الكهربائية يمثل المعادلة الأهم في توطين الصناعة بمصر
الصين تفتح ذراعيها للمنتجات المصرية والمطلوب تحرك أكثر فاعلية من القطاع الخاص
تفتح زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر صفحة جديدة في العلاقات بين القاهرة وبكين، وسط تحولات جيوسياسية واقتصادية تعيد رسم خريطة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية. فالزيارة تأتي في توقيت تسعى فيه مصر إلى تعميق التصنيع المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية وزيادة الصادرات، بينما تبحث الصين عن أسواق ومراكز إنتاج جديدة تتيح لها الوصول إلى أسواق أفريقيا والمنطقة العربية وأوروبا.
وتتجاوز أهمية الزيارة الملفات السياسية والدبلوماسية، لتشمل تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، خاصة مع وجود أكثر من 3 آلاف شركة صينية تعمل في مصر، وبلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 20.8 مليار دولار خلال 2025، رغم استمرار اختلال الميزان التجاري لصالح الصين.
فهل تتحول مصر من مجرد سوق للمنتجات الصينية إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير للشركات الصينية؟ وكيف يمكن للقاهرة الاستفادة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية لتقليص العجز التجاري مع بكين؟ وهل تمثل التوترات في الممرات المائية وسلاسل الإمداد العالمية فرصة إضافية لتعزيز دور مصر في استراتيجية الشركات الصينية؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، تحدثنا مع د. ضياء حلمي، الأمين العام لغرفة التجارة المصرية الصينية، والخبير في الاقتصاد الدولي، حول دلالات الزيارة ومستقبل الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
كيف تقرأون زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة؟
العلاقات الاستراتيجية بين مصر والصين تدخل منحى جديدًا مع هذه الزيارة التاريخية للرئيس شي جين بينغ ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي. ووصف الزيارة بأنها تاريخية ليس مجرد اصطلاح إعلامي، فهي تأتي في توقيت بالغ الأهمية وسط أزمات مالية واقتصادية وجيوسياسية وأمنية وعسكرية عالمية، لا تقتصر على مصر أو الصين.
وتحمل الزيارة دلالات مهمة على عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، التي بدأت منذ أكثر من 10 سنوات في عهد الرئيسين عبد الفتاح السيسي وشي جين بينغ، وتستند إلى إرادة سياسية حقيقية ورؤية مشتركة تتسق مع حضارة البلدين، إلى جانب وجود تحديات مشتركة وفرص واسعة للتعاون.
وتعمل في مصر حاليًا أكثر من 3 آلاف شركة صينية، وهو رقم غير مسبوق منذ إقامة العلاقات المصرية الصينية قبل 70 عامًا. وتمتلك هذه الشركات تكنولوجيات متقدمة يمكن لمصر الاستفادة منها في توطين الصناعة، وهو ما لم يعد مجرد شعار، وإنما أصبح استراتيجية دولة ورؤية للقيادة السياسية.
كما بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.8 مليار دولار خلال 2025.
لكن يظل العجز التجاري لصالح الصين أحد أبرز التحديات في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.. كيف يمكن التعامل معه؟
هذا ملف مهم للغاية. الصين تفتح بالفعل ذراعيها أمام المنتجات المصرية، وهناك إرادة صينية حقيقية وجادة لزيادة الواردات من مصر، لكن المطلوب أن يتحرك القطاع الخاص المصري بصورة أكثر فاعلية للبحث عن احتياجات السوق الصينية وتلبيتها.
ومن أبرز الأدلة على ذلك معرض الصين الدولي للاستيراد في شنغهاي، الذي تنظمه الصين سنويًا في الربع الأخير من العام، وهو معرض مخصص للاستيراد وليس التصدير. الصين تقول للمصدرين حول العالم: تعالوا إلينا وتعرفوا على احتياجات السوق الصينية والمنتجات التي نحتاج إليها.
واللافت إلى أن مصر كانت ضيف الشرف في الدورة الأولى للمعرض، وشارك فيه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي برفقة 54 شركة مصرية.
وبالتالي، الرسالة ليست فقط للصين كي تفتح أسواقها أمام المنتجات المصرية، وإنما أيضًا للقطاع الخاص المصري: اذهبوا إلى الصين، ادرسوا احتياجاتها، وابحثوا عن المنتجات التي يمكن لمصر تصديرها.
ما أبرز المنتجات المصرية التي يمكن أن تنافس في السوق الصينية؟
لدينا العديد من المنتجات التي يمكن أن تجد طلبًا في الصين، ومنها الصناعات اليدوية التي تفتقدها الصين رغم ارتفاع مستويات الرفاهية لديها، والصناعات المكتبية ذات الطابع المصري، والأرابيسك، والسجاد المصري، والرخام الذي تحبه الصين وتعتمد عليه، إلى جانب السيراميك والملابس ذات التصميمات المختلفة.
ولدينا أيضًا فرصة كبيرة في المنتجات الزراعية، التي بدأت الصين بالفعل في استقبالها.
المشكلة ليست في غياب الفرص، وإنما في ضرورة أن يبحث المنتج والمصدر المصري بصورة أكثر جدية عن احتياجات السوق الصينية.
وهل يمكن للسياحة أن تلعب دورًا في تقليص العجز التجاري بين البلدين؟
بالتأكيد. السياحة جزء مهم من العلاقة الاقتصادية بين البلدين. الصين لديها أكثر من 200 مليون سائح سنويًا يجوبون العالم، فلماذا لا تستفيد مصر من جزء أكبر من هذا السوق؟
مصر لديها مقومات قوية للسائح الصيني، من السياحة الشاطئية والشمس إلى سياحة المؤتمرات، وبالتالي نحتاج إلى مزيد من التفاعل والعمل على جذب أعداد أكبر من السياح الصينيين.
كما أن عضوية مصر في مجموعة بريكس تمنحها فرصة إضافية لتعميق التعاون مع الصين، باعتبارها إحدى أكبر القوى الاقتصادية في المجموعة.
بالعودة إلى العلاقات التجارية، هل يمكن لمصر بالفعل أن تقلص الفجوة مع الصين في ظل ضخامة الفائض التجاري الصيني؟
بالتأكيد يمكن، ولكن الأمر يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير. الصين هي مصنع العالم، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: ماذا نقدم نحن لمصنع العالم؟
الصين ترحب بالمنتجات المصرية، ومصر عليها أن تبحث عن احتياجات السوق الصينية وتلبيها. عندما يتحرك الطرفان بهذا الشكل، يمكن زيادة الصادرات المصرية وتقليص العجز التجاري.
وليس صحيحًا أن مصر وحدها تعاني من عجز تجاري مع الصين؛ حتى الولايات المتحدة لديها عجز كبير مع الصين. الفكرة أن الصين تتقن التصدير إلى الأسواق، وعلينا أن نتقن نحن أيضًا الوصول إلى السوق الصينية.
وهنا يأتي الدور المشترك بين الدولة والقطاع الخاص، سواء قطاع الأعمال أو القطاع الخاص، للعمل في إطار سياسة الدولة المصرية وتعظيم الاستفادة من الفرص المتاحة.
في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية وأزمات الممرات المائية، هل ترى أن الصين تنظر إلى مصر باعتبارها مركزًا إقليميًا مناسبًا للتصنيع والوصول إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية والعربية؟
يقينًا. الصين ترى في مصر صديقًا يمكن الاعتماد عليه، وليس مجرد فرصة مواتية للاستغلال. والعلاقة بين الأصدقاء تقوم على المنفعة المتبادلة.
الصين ترى مصر بوابة كبرى إلى أفريقيا، وبابًا رئيسيًا إلى العالم العربي، ومصر لديها اتفاقيات تمنحها مزايا تجارية في الأسواق الأفريقية، إلى جانب موقعها وعلاقاتها القوية داخل القارة.
كما أن مصر دولة تتبنى سياسة توطين الصناعة، وتمتلك قاعدة كبيرة من المهندسين والفنيين والعمالة القادرة على التعلم والتدريب بسرعة، فضلًا عن تراكم طويل من الخبرات الصناعية.
كل هذه العوامل تجعل مصر مركزًا مناسبًا للشركات الصينية الراغبة في الوصول إلى أسواق جديدة.
هل يعني ذلك أن الصين تبحث عن مصر كسوق للتصنيع والتصدير، وليس فقط كسوق استهلاكية؟
بالتأكيد. الصين تبحث عن أسواق جديدة، وليس أسواقًا رخيصة للإنتاج، وهذا فارق مهم.
في ظل التوترات التجارية مع الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية وارتفاع القيود الجمركية أمام المنتجات الصينية، أصبح فتح أسواق جديدة ضرورة استراتيجية بالنسبة للصين. ومصر، في تقديري، واحدة من أفضل الخيارات.
فمصر لديها موقع جغرافي متميز، وقاعدة صناعية، وعمالة مؤهلة، واتفاقيات تجارية تتيح الوصول إلى أسواق أفريقية وعربية، فضلًا عن توجه الدولة نحو توطين الصناعة.
وكيف يمكن أن تستفيد مصر من هذه الرؤية الصينية؟
الميزة الأساسية هي أن التعاون لم يعد قائمًا فقط على التجميع، وإنما بدأ يتحول إلى توطين حقيقي للصناعة ونقل التكنولوجيا.
الصين وافقت على إتاحة تكنولوجيات لمصر، خصوصًا في قطاع السيارات الكهربائية والسيارات التقليدية، وهناك مصانع صينية تعمل حاليًا في مصر. والهدف ليس فقط تلبية احتياجات السوق المحلية، وإنما أيضًا التوسع في تصدير الفائض إلى الأسواق الأفريقية والعربية.
وهذه هي المعادلة التي يجب أن نركز عليها: إنتاج في مصر، وتوطين للتكنولوجيا، ثم التصدير إلى أسواق المنطقة.
وختاما.. إذن كيف تصف مستقبل العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية خلال السنوات المقبلة؟
أرى أن السنوات العشر المقبلة يمكن أن تكون أفضل 10 سنوات في تاريخ العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية، وكذلك على المستوى السياسي والثقافي.
العلاقات بين البلدين تقوم على أساس متين، وهناك احترام متبادل وإرادة سياسية من القيادتين، فضلًا عن أن مصر والصين صاحبتا واحدة من أقدم الحضارات في التاريخ.
كما أن انتشار اللغة الصينية في الجامعات المصرية وتزايد التبادل الثقافي يعززان العلاقات على المدى الطويل.
وأرى أن العلاقة بين البلدين يمكن وصفها بأنها علاقة تبادل أي أن الطرفين رابحان، إذا أحسن كل طرف استغلال الفرص المتاحة أمامه.





