الإثنين 24 أغسطس 2026 الموافق 11 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
فن ومنوعات

هل الغريق أثناء السباحة شهيد أم منتحر؟.. دار الإفتاء تحسم الجدل

تعبيرية
تعبيرية

أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال يشغل بال كثير من الأسر، بشأن حكم الشخص الذي يتعرض للغرق أثناء السباحة في النيل أو البحر، وهل تُعد وفاته في هذه الحالة انتحارًا أم يدخل ضمن حالات الموت التي يُرجى لصاحبها أجر الشهادة.

وأوضح الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الحكم على هذه الحالات لا يكون بمجرد وقوع الوفاة غرقًا، وإنما يرتبط بشكل أساسي بقصد الشخص ونيته قبل الوفاة، مؤكدًا أن وصف الانتحار لا يثبت إلا إذا كان هناك قصد واضح ومتعمد لإنهاء الحياة.

هل الغرق أثناء السباحة يعتبر انتحارًا؟

أكد أمين الفتوى أن الشخص الذي يذهب إلى النيل أو البحر بهدف السباحة أو الاستمتاع أو ممارسة الرياضة، ثم يتعرض للغرق بشكل مفاجئ نتيجة ارتفاع الأمواج أو فقدان التوازن أو عدم القدرة على السيطرة على نفسه، لا يُعامل شرعًا باعتباره منتحرًا.

وأوضح أن الفارق الأساسي هنا هو النية، فالشخص الذي دخل المياه دون قصد إيذاء نفسه أو إنهاء حياته، ثم تعرض للغرق بصورة غير متعمدة، لا يصح وصفه بالانتحار لمجرد أن الوفاة حدثت غرقًا.

وشددت دار الإفتاء على أهمية عدم التسرع في إصدار الأحكام على المتوفين، وحمل الوقائع على السلامة ما لم توجد أدلة واضحة تثبت خلاف ذلك، خاصة أن النيات لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

هل الغريق شهيد؟

أوضحت دار الإفتاء المصرية أن الغريق من الذين ورد في شأنهم أجر الشهادة، استنادًا إلى الأحاديث النبوية التي ذكرت الغريق ضمن أصناف من يُرجى لهم أجر الشهيد في الآخرة.

وبناءً على ذلك، فإن الشخص الذي توفي غرقًا دون أن يقصد إهلاك نفسه، يُرجى له أجر الشهادة عند الله تعالى، مع التأكيد على أن الحكم النهائي والمكانة عند الله سبحانه وتعالى لا يقطع بها لأحد بعينه.

ويأتي ذلك في إطار ما يُعرف بـ«شهيد الآخرة»، وهو من يحصل على أجر الشهيد في الآخرة، بينما لا تجري عليه بالضرورة الأحكام الخاصة بشهيد المعركة في الدنيا.

ما الفرق بين شهيد الدنيا والآخرة؟

توضح دار الإفتاء أن الشهداء ليسوا على مرتبة واحدة من حيث الأحكام، إذ ينقسمون إلى أقسام متعددة، من بينها شهيد الدنيا والآخرة، وشهيد الدنيا، وشهيد الآخرة.

فشهيد الدنيا والآخرة هو من يُقتل في سبيل الله دفاعًا عن الحق والوطن، مخلصًا لله تعالى، وتترتب على استشهاده الأحكام الخاصة بشهيد المعركة.

أما شهيد الدنيا فهو من يُعامل في أحكام الدنيا معاملة الشهيد، رغم أن نيته قد لا تحقق له أجر الشهادة الكامل في الآخرة، كما في بعض الحالات التي يكون فيها القتال لغير وجه الله.

أما شهيد الآخرة فهو من يحصل على أجر الشهيد في الآخرة بسبب نوع الوفاة أو ما تعرض له من شدة وألم، دون أن تنطبق عليه أحكام شهيد المعركة في الدنيا.

من أبرز حالات شهادة الآخرة؟

وردت في السنة النبوية حالات متعددة يُرجى لأصحابها أجر الشهادة، ومن بينها الغريق، والمطعون، والمبطون، وصاحب الهدم، ومن يموت بسبب الحريق، إلى جانب حالات أخرى وردت في الأحاديث.

واستندت دار الإفتاء إلى الحديث النبوي الذي ذكر عددًا من الشهداء، ومن بينهم «الغريق»، بما يؤكد أن الوفاة غرقًا من الحالات التي يُرجى لصاحبها أجر الشهادة عند الله تعالى.

ولا يعني ذلك أن كل وفاة غرقًا يُحكم لصاحبها قطعًا بأنه شهيد عند الله، وإنما يُقال إنه يُرجى له أجر الشهيد، مع ترك الحكم النهائي لله سبحانه وتعالى.

لماذا يرتبط الحكم بالنية؟

تؤكد هذه المسألة أهمية النية في الأحكام الشرعية، إذ تختلف حالة الشخص الذي يتعرض لحادث مفاجئ عن شخص يتعمد إنهاء حياته.

فمن نزل إلى البحر أو النيل بقصد السباحة، ثم حدثت له واقعة أدت إلى غرقه، فالأصل عدم اتهامه بالانتحار أو إساءة الظن به، ما لم توجد قرائن واضحة تثبت وجود قصد متعمد لإهلاك النفس.

ولهذا شددت دار الإفتاء على ضرورة التعامل مع هذه الوقائع بالرحمة وعدم التسرع في إطلاق الأحكام، خصوصًا أن الإنسان لا يستطيع الجزم بما كان في قلب المتوفى من نيات.

الغريق له أجر الشهيد في الآخرة

وأوضحت دار الإفتاء أن من مات غرقًا يدخل ضمن أصناف يُرجى لها ثواب الشهادة في الآخرة، وهو ما تؤيده الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن.

وتُعد هذه المنزلة من فضل الله تعالى على من ابتُلي بالموت في ظروف شديدة الألم والمعاناة، إذ جعل سبحانه وتعالى لبعض صور الوفاة أجرًا عظيمًا، ومن بينها الوفاة غرقًا.

وفي الوقت نفسه، فإن حصول المتوفى على أجر الشهيد لا يعني إسقاط الأحكام الشرعية المتعلقة بالوفاة، فالغريق يُغسل ويُكفن ويُصلى عليه، بخلاف شهيد المعركة الذي له أحكام خاصة معروفة في الفقه الإسلامي.

وتبرز فتوى دار الإفتاء أهمية عدم بناء الاتهامات على مجرد الاحتمالات، خاصة في حالات الوفاة المفاجئة التي قد تحدث أثناء السباحة أو بسبب الحوادث.

فإذا لم يثبت وجود قصد للانتحار، فلا يجوز التسرع في وصف المتوفى بأنه انتحر، بل الأصل حمل الواقعة على السلامة، مع الدعاء للمتوفى بالرحمة والمغفرة.

وبذلك، فإن الشخص الذي توفي غرقًا أثناء السباحة في النيل أو البحر دون قصد لإهلاك نفسه لا يُعد منتحرًا لمجرد طريقة وفاته، ويُرجى له أجر الشهيد في الآخرة، وفق ما أوضحته دار الإفتاء المصرية، بينما يبقى الحكم النهائي على النيات والدرجات عند الله سبحانه وتعالى.