السيارات الكهربائية الصينية.. الصادرات تقود النمو وسط تحول جديد في سياسة بكين
يشهد قطاع السيارات الكهربائية في الصين تحولًا استراتيجيًا متسارعًا، مع انتقال الصناعة من مرحلة الاعتماد الكبير على الدعم الحكومي إلى مرحلة جديدة تقوم بصورة أكبر على المنافسة والكفاءة وقوة الطلب، وهو ما يفرض تحديات وفرصًا متزامنة أمام أكبر منتج ومصدر للسيارات في العالم.
وأكد بنك قطر الوطني «QNB» في تقريره الأسبوعي أن مستقبل قطاع السيارات الكهربائية الصينية سيتحدد بدرجة متزايدة بمدى قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية، إلى جانب قدرته على تعزيز اندماجه داخل السوق المحلية، في ظل تغير توجهات السياسة الصناعية الصينية.
وأشار التقرير إلى أن صادرات السيارات الكهربائية الصينية أصبحت واحدة من أبرز مظاهر نجاح الاستراتيجية الصناعية لبكين خلال السنوات الماضية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحدٍ اقتصادي مهم يتعلق بفائض الطاقة الإنتاجية وضعف الطلب المحلي مقارنة بالقدرات التصنيعية المتاحة.

الصين تتصدر صادرات السيارات الكهربائية عالميًا
نجحت الصين خلال السنوات العشر الماضية في بناء موقع مهيمن داخل سوق السيارات العالمية، مستفيدة من الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا والتصنيع وسلاسل الإمداد، خاصة في مجال السيارات الكهربائية ومركبات الطاقة الجديدة.
وبحسب بيانات بنك قطر الوطني، وصلت صادرات مركبات الطاقة الجديدة الصينية خلال عام 2025 إلى نحو 2.62 مليون وحدة، وتشمل هذه الفئة السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات، والمركبات الهجينة القابلة للشحن، إضافة إلى المركبات التي تعمل بخلايا الوقود.
ويمثل هذا الرقم ضعف المستوى الذي سجلته صادرات مركبات الطاقة الجديدة قبل عام واحد، بما يعكس السرعة الكبيرة التي توسعت بها الصناعة الصينية في الأسواق الخارجية.
وسجلت صادرات السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات نحو 1.65 مليون وحدة، بينما ارتفعت صادرات السيارات الهجينة القابلة للشحن بأكثر من ثلاثة أضعاف، وهو ما ساهم بصورة مباشرة في زيادة إجمالي صادرات السيارات الصينية.
وتجاوز إجمالي صادرات الصين من السيارات خلال عام 2025 حاجز 7 ملايين وحدة، لتؤكد بكين موقعها كأكبر دولة مصدرة للسيارات عالميًا بفارق كبير عن المنافسين.
صادرات السيارات الكهربائية تواجه تحديات جديدة
رغم النمو القوي لصادرات السيارات الكهربائية الصينية، يرى بنك قطر الوطني أن القطاع دخل مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة، إذ لم يعد التحدي الأساسي يتمثل في زيادة الإنتاج فقط، وإنما في إيجاد أسواق قادرة على استيعاب هذه الزيادة وتحقيق عوائد اقتصادية مناسبة.
وكشف التقرير أن صادرات مركبات الطاقة الجديدة تضاعفت خلال الربع الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتقترب من مليون وحدة، وهو ما جعلها تستحوذ على أكثر من 40% من إجمالي المركبات الصينية المصدرة إلى الأسواق الخارجية.
ويعكس هذا التطور اعتماد قطاع السيارات الصيني بصورة متزايدة على الأسواق العالمية، خاصة مع تراجع معدلات نمو الطلب المحلي.
وتسعى الشركات الصينية الكبرى إلى تعزيز وجودها خارج حدود الصين، مستفيدة من تطور قدراتها التكنولوجية وانخفاض تكاليف الإنتاج واتساع خبرتها في تصنيع السيارات الكهربائية والبطاريات ومكونات المركبات.
ومن بين الشركات التي توسعت بقوة في الأسواق الخارجية «بي واي دي» و«جيلي» و«شيري»، حيث أصبحت الصادرات تمثل نحو ثلث إجمالي حجم أعمال قطاع السيارات لديها.
تراجع الطلب المحلي يضغط على الصناعة
أوضح بنك قطر الوطني أن أحد أهم أسباب الطفرة الحالية في صادرات السيارات الكهربائية يتمثل في التغير الذي طرأ على السوق الصينية المحلية.
وشهد الطلب المحلي على مركبات الطاقة الجديدة تراجعًا ملحوظًا خلال بداية عام 2026، بالتزامن مع تقليص الحوافز الضريبية التي كانت توفر دعمًا قويًا لمبيعات السيارات الكهربائية.
وبعد أن كان المشترون يستفيدون من إعفاء ضريبي كامل تقريبًا، تم استبدال هذا النظام بمعدل فعلي يبلغ 5%، وهو ما انعكس على وتيرة الطلب خلال الربع الأول من العام.
وتراجعت مبيعات مركبات الطاقة الجديدة في السوق المحلية بنحو الربع خلال الربع الأول، رغم استمرار شركات صناعة السيارات في الحفاظ على مستويات مرتفعة من الطاقة الإنتاجية.
وهنا برزت الأسواق الخارجية باعتبارها منفذًا مهمًا أمام الشركات الصينية للتعامل مع فائض الإنتاج، خاصة أن بعض السيارات يمكن بيعها في الخارج بأسعار وهوامش ربح أفضل مقارنة بالسوق الصينية شديدة التنافسية.
فائض الإنتاج يمثل تحديًا أمام الصين
تواجه صناعة السيارات الكهربائية الصينية مشكلة مرتبطة بزيادة الطاقة الإنتاجية مقارنة بحجم الطلب المحلي، وهي مشكلة أصبحت أكثر وضوحًا مع احتدام المنافسة بين الشركات والعلامات التجارية.
وتشير تقديرات التقرير إلى وجود أكثر من 100 علامة تجارية للسيارات تتنافس داخل السوق الصينية، في حين تدور معدلات استخدام المصانع حول 60%، وهي مستويات أقل بكثير من معدلات التشغيل التي تحقق أعلى كفاءة اقتصادية.
كما تراجعت هوامش أرباح قطاع السيارات إلى مستويات تاريخية منخفضة، لتصل إلى نحو 3%، وهو ما يعكس شدة المنافسة السعرية بين الشركات الصينية.
وأدت المنافسة القوية إلى خفض الأسعار وزيادة العروض والحوافز المقدمة للمستهلكين، الأمر الذي يضغط على هوامش الشركات ويدفعها إلى البحث عن فرص جديدة خارج السوق المحلية.
ومن هنا أصبحت الصادرات عنصرًا أساسيًا في استراتيجية شركات السيارات الصينية للحفاظ على مستويات الإنتاج والاستفادة من قدراتها التصنيعية الكبيرة.
الخطة الخمسية الصينية تعيد ترتيب الأولويات
أحد أبرز التحولات التي أشار إليها تقرير بنك قطر الوطني يتعلق بالخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، التي تغطي الفترة من 2026 إلى 2030.
وللمرة الأولى منذ 15 عامًا، لم تعد مركبات الطاقة الجديدة مدرجة ضمن قائمة الصناعات الناشئة الاستراتيجية التي تحظى بالأولوية في الخطط الحكومية الصينية.
ولا يعني هذا التطور أن الصين تتراجع عن دعم صناعة السيارات الكهربائية، وإنما يشير إلى أن القطاع وصل إلى مرحلة متقدمة من النضج، تسمح له بالاعتماد بصورة أكبر على آليات السوق والمنافسة، بدلًا من الاعتماد المكثف على الدعم الحكومي.
ويعكس هذا التوجه تغيرًا في طبيعة السياسة الصناعية الصينية، حيث تنتقل بكين تدريجيًا من دعم القطاعات التي أثبتت قدرتها على المنافسة إلى توجيه الموارد نحو مجالات تكنولوجية وصناعية أكثر حداثة.
السيارات الكهربائية تدخل مرحلة النضج
حققت السيارات الكهربائية الصينية تقدمًا كبيرًا داخل السوق المحلية، بعدما تجاوزت مركبات الطاقة الجديدة حاجز 50% من إجمالي مبيعات السيارات في الصين.
ويُعد الوصول إلى هذه النسبة إنجازًا كبيرًا، خاصة أنه تحقق قبل أكثر من عقد من الموعد الذي كان مستهدفًا في الخطط السابقة.
وبالتالي، لم تعد صناعة السيارات الكهربائية في حاجة إلى نفس المستوى من الأولوية الحكومية الذي كانت تحصل عليه في مراحل التأسيس والنمو الأولى.
وتتجه الخطة الصينية الجديدة إلى إعطاء مساحة أكبر لقطاعات مثل التكنولوجيا الكمية والهيدروجين والتصنيع المتقدم، مع إعادة دمج السيارات الكهربائية ضمن استراتيجية أوسع تتعلق بالطاقة والبنية التحتية وشبكات الكهرباء.
وتستهدف الصين أيضًا مضاعفة حجم البنية التحتية الخاصة بشحن السيارات الكهربائية تقريبًا، إلى جانب العمل على زيادة تكامل السيارات مع شبكة الكهرباء بحلول عام 2030.
وعلى المستوى الاقتصادي، أصبحت صناعة السيارات الكهربائية واحدة من الركائز الرئيسية لأداء الصادرات الصينية.
فقد ساهمت قدرة الشركات الصينية على تصنيع السيارات الكهربائية والبطاريات والمكونات المرتبطة بها في تعزيز مكانة الصين داخل التجارة العالمية.
كما ساعدت زيادة صادرات مركبات الطاقة الجديدة في دعم فائض تجارة السلع الصينية، وأصبحت الصناعة مثالًا واضحًا على انتقال الاقتصاد الصيني من الاعتماد على الصناعات التقليدية إلى صناعات أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا.
وتعكس السيارات الكهربائية كذلك تطورًا واسعًا في منظومة التصنيع الصينية، بداية من إنتاج البطاريات والخلايا الكهربائية وصولًا إلى البرمجيات والمكونات وأنظمة التحكم.
لكن نجاح الصناعة في التصدير يطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول مدى قدرة الأسواق الخارجية على استيعاب الزيادة المستمرة في الإنتاج الصيني.
مع التوسع الكبير في صادرات السيارات الكهربائية الصينية، تواجه الشركات منافسة متزايدة في الأسواق الدولية، بالتزامن مع توجه عدد من الدول إلى حماية صناعاتها المحلية.
وقد تؤدي الإجراءات التجارية والرسوم الجمركية والقيود التنظيمية إلى زيادة تكلفة دخول السيارات الصينية إلى بعض الأسواق، وهو ما قد يفرض على الشركات الصينية تطوير استراتيجيات جديدة للتوسع الدولي.
وتتمثل إحدى هذه الاستراتيجيات في الاستثمار المباشر داخل الأسواق الخارجية، وإنشاء مصانع محلية بدلًا من الاعتماد الكامل على تصدير السيارات من الصين.
كما يمكن للشركات الصينية زيادة استثماراتها في العلامات التجارية وخدمات ما بعد البيع وشبكات التوزيع، بما يساعدها على بناء حضور طويل الأجل في الأسواق العالمية.