الأحد 16 أغسطس 2026 الموافق 03 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

اتفاقية مكة تشكل موازين الشرق الأوسط.. أثينا في تأهب ونيودلهي تراقب

الرئيس نيوز

من قصر الصفا إلى استحضار المادة 51، طفت على السطح مجددا مناقشات أكاديمية وبحثية محتدمة حول فكرة الناتو الإسلامي، بعد أن وقع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف اتفاقية مكة للدفاع المشترك في مكة المكرمة، لتلتزم الدول الثلاث باعتبار أي هجوم مسلح على إحداها هجوما عليها جميعا، وهو الأمر الذي استرعى اهتمام صحيفة كاثيمريني اليونانية بشكل خاص.

استندت الاتفاقية إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تكفل الحق الأصيل للدول في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح، إلى حين تحرك مجلس الأمن. ووصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان البند بأنه يماثل تقنيا المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، موضحا أن الدول الثلاث ستتشاور حول طبيعة ونطاق أي مساعدة تقدم عند وقوع اعتداء.

الاتفاقية ليست وليدة اللحظة

جاءت اتفاقية مكة امتدادا لاتفاق الدفاع المتبادل الاستراتيجي الموقع بين الرياض وإسلام أباد في سبتمبر 2025، بضم تركيا إليه رسميا هذه المرة بعد قرابة عام من المفاوضات الثلاثية الاستكشافية التي بدأت في فبراير الماضي، ورغم قوة البند المركزي، فإن النص العلني للاتفاقية ترك الالتزامات العسكرية الفعلية غامضة عمدا، دون إجراء معلن لتحديد لحظة تفعيل بند الدفاع المشترك، ودون حدود جغرافية معلنة، ودون توضيح لطبيعة المساعدة المطلوبة تحديدا من كل طرف. 

وقال دبلوماسي تركي سابق إن الاتفاقية رمزية إلى حد كبير في جوهرها، وإن أنقرة من غير المرجح أن تنجر لصراعات مع إيران أو الهند ما لم تتطور الاتفاقية لقيادة عسكرية مشتركة وهياكل عملياتية فعلية، وفقا لصحيفة تركس مينت التركية.

أثينا: من المراجعة السنوية إلى الشهرية

وأشارت صحيفة جريك ريبورتر إلى أن اليونان كانت من أوائل من تحرك فعليا، إذ حولت وزارة الدفاع اليونانية آلية مراجعة نشر بطارية الصواريخ اليونانية "باتريوت" في الرياض من مراجعة سنوية إلى مراجعة شهرية، وفق ما نقلته كاثيمريني عن مصادر بوزارة الدفاع. 

وأضافت أن النظام موجود في السعودية منذ 2021 لحماية بنية تحتية حيوية، ورغم أن التوقيت يوحي بارتباط مباشر بتوقيع اتفاقية مكة، فإن التغيير اقترحه وزير الدفاع نيكوس دندياس بالتنسيق مع رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس منذ مارس الماضي، أي قبل شهور من توقيع الاتفاقية نفسها، ما يشير لاحتمال امتلاك أثينا معلومات استخباراتية مسبقة عن الاتفاق القادم. 

وفي مؤشر مواز، كشفت تقارير أن أثينا تخطط في الوقت نفسه لتوسيع حضورها العسكري في الخليج بإرسال طائرتي هليكوبتر هجوميتين من طراز أباتشي.

قلق مضاعف: مصر والممر الاقتصادي "إيميك"

المصدر الأعمق لقلق أثينا يتجاوز السلاح إلى الجغرافيا الاقتصادية، إذ يرى محللون أن الاتفاقية قد تعقد حسابات اليونان بشأن ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي المعروف بـ"إيميك"، الذي راهنت عليه أثينا لتموضع نفسها كحلقة وصل استراتيجية بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط. 

وتزامن توقيع الاتفاقية مع زيارة رسمية استغرقت يومين قام بها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للقاهرة، أعلن خلالها عن إنشاء آليات سياسية وعسكرية مشتركة تضم وزراء دفاع وخارجية وقادة أركان الدول الثلاث، إضافة لخطط لمناورات عسكرية مشتركة وتعاون محتمل في الإنتاج الدفاعي ونقل التكنولوجيا.

إسرائيل وقبرص: تحالفات تعويضية جديدة

في تحليل منفصل، ترى مجلة ذا دبلومات المتخصصة في الشؤون الجيوسياسية، ومقرها طوكيو، أن اتفاقية مكة قد تعيد إحياء نمط سابق ظهر بعد تدهور العلاقات الاستراتيجية التركية الإسرائيلية عقب 2003، بتعميق الشراكة الثلاثية التي تربط إسرائيل واليونان وقبرص، باعتبارها من أبرز التحالفات "التعويضية" المتوقعة ردا على هذا المحور السني الجديد الذي يجمع القوة الاقتصادية السعودية والتكنولوجيا الدفاعية التركية والقدرة النووية الباكستانية. 

فبالنسبة لإسرائيل، يمثل هذا التحالف ضربة لأمل قديم في بناء تحالف عربي مفتوح ومستقر ضد إيران، بينما تتقاسم أثينا ونيقوسيا نفس المخاوف من توسع النفوذ التركي في شرق المتوسط.

طهران: ترحيب حذر بدعوة للوحدة الإسلامية

لكن الموقف الإيراني جاء مختلطا، إذ رحبت طهران بالاتفاقية داعية لوحدة إسلامية أوسع في مواجهة توترات غرب آسيا، في وقت لا تزال فيه إيران تحت ضغط الحرب المستمرة مع إسرائيل والولايات المتحدة. هذا الترحيب الحذر يعكس محاولة طهران تجنب الظهور بمظهر المهدد من اتفاقية تضم شريكين تاريخيين مهمين لها في المنطقة، السعودية وتركيا، رغم التوتر القائم أصلا بينها وبين الرياض وواشنطن.

نيودلهي تراقب.. والحسابات العسكرية أهم من الخطاب الدبلوماسي

بالنسبة للهند، يرى محللون أن التداعيات الأكثر إلحاحا وحساسية سياسيا تتعلق مباشرة بباكستان، التي اكتسبت بموجب الاتفاقية إطارا أمنيا رسميا مع دولتين تمتلكان موارد مالية وتقنية ونفوذا دبلوماسيا عميقا. 

وحذر تحليل المجلة من أن القيادة الباكستانية قد "تقيم" أي تصعيد مستقبلي بتكلفة أقل مما كانت عليه سابقا، معتبرا أن المسألة تتجاوز الدبلوماسية لتصبح سؤالا عسكريا تشغيليا مباشرا يخص كيفية خوض المعارك وتحت أي شروط سياسية. 

في المقابل، أكد مسؤول بوزارة الخارجية الهندية راندهير جيسوال أن نيودلهي "تتابع عن كثب" التطورات، فيما أشارت تقارير إلى أن الرياض حرصت على مواصلة تطوير علاقتها الاستراتيجية مع الهند بالتوازي، ما قد يحد من رغبتها في تحويل كل أزمة هندية باكستانية مستقبلية إلى أزمة سعودية هندية مباشرة.

البعد النووي: غموض متعمد لا تأكيد

يبدو سؤال الردع النووي حاضرا بقوة في النقاش الهندي، إذ يميز محللون بين امتلاك باكستان لسلاح نووي وبين تمديدها فعليا مظلة ردع نووي لحلفائها الجدد، مشيرين إلى عدم وجود دليل علني على أن إسلام أباد وضعت تركيا أو السعودية رسميا تحت مظلتها النووية. ونفى مسؤولون سعوديون أن تكون الاتفاقية مرتبطة بطموحات نووية أو سباق تسلح، بينما سبق لباكستان نفسها أن أكدت أن الأسلحة النووية لم تكن "على الرادار" في اتفاقيتها الدفاعية مع الرياض من الأساس.

هل يتشكل محور صيني موازي؟

من زاوية أمريكية أكاديمية، يرى باحثون أن الاتفاقية تندرج ضمن نمط أوسع لباكستان في رفع بروزها على الساحة الدولية، سواء عبر علاقاتها مع إدارة ترامب أو دورها في نزاعات إقليمية مثل ملف إيران، لكنهم يحذرون من التسرع في ربط الاتفاقية بمحور صيني متنام، رغم العلاقات العميقة بين إسلام أباد وبكين، موضحين أن النفوذ الصيني في الخليج ظل حتى الآن أقرب للبعد السياسي والاقتصادي منه للعسكري، خلافا للحضور الأمريكي التقليدي هناك، وفقا لخبراء بجامعة ميشيجان.