الأربعاء 05 أغسطس 2026 الموافق 22 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

المعادن النادرة تشعل صراعًا عالميًا.. كيف تدفع الصين خصومها لبناء منافسين جدد؟

المعادن النادرة تشعل
المعادن النادرة تشعل صراعًا عالميًا

على مدار سنوات، امتلكت الصين واحدة من أكثر أوراق القوة حساسية في الاقتصاد العالمي متمثلة في المعادن الأرضية النادرة. فمن هذه العناصر تصنع المغناطيسات الدائمة التي تدخل في صناعة السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وتوربينات الرياح والطائرات المقاتلة والصواريخ الموجهة، حتى باتت سلاسل الإمداد العالمية تعتمد عليها بصورة يصعب الاستغناء عنها. لكن المفارقة أن بكين، كلما استخدمت هذه الورقة في صراعاتها التجارية والجيوسياسية، سرعت من دون قصد جهود العالم للتخلص من الاعتماد عليها، لتتحول أداة الضغط تدريجيًا إلى حافز لبناء منافسين جدد، وفقا لبلومبرج.

وفي السنوات الأخيرة، استخدمت الصين صادرات المعادن النادرة والمغناطيسات المصنعة منها كسلاح تفاوضي في أكثر من مناسبة. فقد ساهمت القيود التي فرضتها على الصادرات في خضم الحرب التجارية مع الولايات المتحدة في دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إعادة النظر في بعض سياساتها الجمركية، كما استخدمت بكين الأسلوب نفسه في خلافاتها مع اليابان. غير أن تكرار استخدام هذه الورقة دفع الحكومات والشركات الغربية إلى استخلاص نتيجة واضحة: لا يمكن ترك أحد أهم القطاعات الصناعية في العالم رهينة لقرار سياسي يصدر من بكين. 

من الاحتكار إلى المنافسة

قبل نحو 15 عامًا، كانت الصين تهيمن بصورة شبه كاملة على استخراج وتكرير المعادن الأرضية النادرة، وهو ما منحها نفوذًا استثنائيًا على الصناعات العالمية. أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة ملحوظة. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، يُنتج الآن نحو ثلث المعادن الأرضية النادرة خارج الصين، بينما تتوسع قدرات التعدين والتكرير في الولايات المتحدة وأستراليا وكندا والبرازيل ودول أخرى.

كان هذا التحول نتيجة مباشرة لمحاولات بكين استخدام المعادن النادرة كورقة ضغط. فكلما زادت القيود الصينية، ارتفعت الاستثمارات العالمية في المناجم الجديدة، وتدفقت الأموال نحو بناء سلاسل إمداد مستقلة، حتى وإن كانت تكلفتها أعلى من الاعتماد على الصين. 

لماذا غيرت الصين استراتيجيتها؟

إدراكًا منها لتراجع فعالية القيود على العناصر الأكثر انتشارًا، بدأت الصين تضيق نطاق معركتها. فالنيوديميوم والبراسيوديميوم، اللذان يمنحان معظم المغناطيسات التجارية خصائصها المغناطيسية، أصبحا متوافرين بكميات أكبر خارج الصين، الأمر الذي قلل من فعالية التهديد بقطع إمداداتهما.

لهذا، انتقلت بكين إلى التركيز على العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، وفي مقدمتها الساماريوم والديسبروسيوم والتيربيوم، وهي عناصر نادرة تدخل في التطبيقات العسكرية والصناعية الأكثر تقدمًا. وتتميز هذه المعادن بقدرتها على الحفاظ على كفاءة المغناطيسات عند درجات الحرارة المرتفعة، لذلك تستخدم في محركات السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والصواريخ الموجهة، والطائرات المقاتلة، والغواصات، وأنظمة الدفاع الجوي.

تراجع أسطورة الندرة

حتى وقت قريب، كان الاعتقاد السائد بين الجيولوجيين أن الرواسب الغنية بالعناصر الأرضية النادرة الثقيلة تكاد تكون حكرًا على منطقة لونغنان في جنوب الصين، حيث اكتشفت رواسب "الطين الممتص للأيونات" أواخر ستينيات القرن الماضي. وكان ينظر إلى هذه الرواسب باعتبارها ظاهرة جيولوجية فريدة، تمامًا كما يبدو معدن "الفيبرانيوم" في عالم أفلام مارفل.

لكن العقد الأخير أثبت خطأ هذه الفرضية. فقد أثبتت عمليات التنقيب أن هذا النوع من الرواسب موجود في أماكن أخرى من العالم، وإن كان بدرجات متفاوتة. كما أن تطور تقنيات الاستكشاف الجيولوجي والمعالجة الكيميائية كشف أن ما كان يعتقد أنه نادر للغاية، ليس نادرًا بالقدر الذي تصورته الصناعة لعقود. 

ميانمار والبرازيل تكسران الاحتكار

كانت المفاجأة الأولى في ولاية كاشين بميانمار، حيث اكتشفت شركات تعدين صينية نفسها رواسب غنية بالعناصر الأرضية النادرة الثقيلة، وسرعان ما بدأت استغلالها. وتشير تقديرات إلى أن بعض المناجم هناك أصبحت تنتج كميات قد تنافس الإنتاج الصيني، وإن كانت وسط ظروف بيئية وتنظيمية معقدة.

وفي المقابل، اتجهت الاستثمارات الكبرى إلى مشاريع أكثر استقرارًا، خصوصًا في البرازيل. فقد أمضت شركة دنهام كابيتال منجمنت سنوات في تطوير رواسب للطين الممتص للأيونات في ولاية غوياس، قبل أن تبدأ الإنتاج عام 2024. وفي عام 2026، أعلنت USA Rare Earth الأمريكية الاستحواذ على المشروع في صفقة بلغت قيمتها نحو 2.8 مليار دولار، في خطوة تعكس حجم الرهان الغربي على بناء صناعة مستقلة للمغناطيسات والمعادن النادرة. 

العالم يبني منظومة موازية

ولا تقف القصة عند التعدين فقط. فقد أكدت دراسات حديثة وجود رواسب مماثلة في أربع قارات، تشمل مدغشقر ومالاوي وأوغندا وتشيلي وأستراليا، إضافة إلى مؤشرات واعدة في ماليزيا وتايلندا وفيتنام وحتى فنلندا.

بالتوازي، تتوسع قدرات التكرير خارج الصين، وهي الحلقة التي كانت تمثل مصدر القوة الحقيقي لبكين. فقد بدأت شركتا ليناس الأسترالية نيو برفورمانس الكندية بالفعل الإنتاج التجاري للعناصر الأرضية النادرة الثقيلة، فيما تستعد MP Materials الأمريكية وCarester الفرنسية لتشغيل منشآت جديدة خلال الأشهر المقبلة. ومع اكتمال هذه المشاريع، ستصبح الدول الغربية أقل اعتمادًا على إرسال خاماتها إلى الصين للمعالجة، وهو تحول استراتيجي قد يكون أكثر أهمية من زيادة الإنتاج نفسه.

مفارقة السلاح الذي يضعف نفسه

تكشف التجربة الحالية مفارقة واضحة؛ فكلما شددت الصين قبضتها على المعادن الأرضية النادرة، تسارعت الاستثمارات العالمية في البدائل، سواء عبر اكتشاف مناجم جديدة أو بناء مصانع تكرير أو تطوير مواد بديلة، كما حدث سابقًا عندما نجحت صناعة البطاريات في تقليص الاعتماد على الكوبالت عبر استخدام كيميائيات تعتمد على فوسفات الحديد والليثيوم.

ولهذا، يحذر عدد متزايد من الخبراء من أن استمرار استخدام المعادن النادرة كسلاح جيوسياسي قد يحقق لبكين مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، لكنه يسرع في الوقت نفسه ولادة صناعة عالمية مستقلة، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص النفوذ الصيني بدلًا من ترسيخه. فالصين لا تزال القوة الأولى في هذا القطاع، لكنها لم تعد القوة الوحيدة، ومع كل مشروع تعدين جديد أو مصنع تكرير جديد خارج حدودها، تتراجع تدريجيًا فعالية الورقة التي طالما اعتُبرت أحد أهم أسلحة بكين الاقتصادية.