تحركات عربية لاحتواء التصعيد بين واشنطن وطهران.. ما القصة؟.. خبير استراتيجي يجيب
تتواصل التطورات المرتبطة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وسط تحركات دبلوماسية عربية متزايدة تهدف إلى احتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تهدد أمن الخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما دفع العديد من الخبراء إلى قراءة المشهد من منظور استراتيجي يربط بين التحركات السياسية والتوازنات العسكرية في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد زاهد محمود، مدير معهد الدراسات الاستراتيجية في إسلام آباد، أن إيران تعتمد منذ سنوات على سياسة ضغط مدروسة في التعامل مع محيطها الإقليمي، مشيرًا إلى أن هذه السياسة لم تكن وليدة اللحظة، لكنها أصبحت أكثر تأثيرًا في ظل المتغيرات الحالية، خاصة مع سعي دول المنطقة للحفاظ على الاستقرار وتجنب أي مواجهة عسكرية واسعة.
سياسة الضغط الإيرانية ليست جديدة
وأوضح زاهد محمود أن السياسة الإيرانية تجاه التطورات الإقليمية تقوم على نهج واضح يعتمد على رفع مستوى الضغوط السياسية والاستراتيجية كلما زادت احتمالات التصعيد، مؤكدًا أن هذا الأسلوب تتبعه طهران منذ سنوات في إطار إدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية.
وأشار إلى أن القيادة الإيرانية تدرك أهمية موقعها الجغرافي وتأثيرها في ملفات إقليمية متعددة، وهو ما يمنحها أدوات ضغط تعتبرها جزءًا من استراتيجيتها في التعامل مع الأزمات، سواء عبر التحركات السياسية أو الرسائل العسكرية أو المواقف الدبلوماسية.
وأضاف أن فعالية هذه السياسة تعود إلى أن دول المنطقة تمثل في كثير من الأحيان الحلقة الأكثر تأثرًا بأي تصعيد، الأمر الذي يدفعها إلى البحث عن حلول سياسية تمنع توسع دائرة الصراع.

استقرار المنطقة أولوية للدول العربية
وأكد مدير معهد الدراسات الاستراتيجية في إسلام آباد أن غالبية الدول العربية تضع استقرار المنطقة على رأس أولوياتها، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها خلال المرحلة الحالية.
وأوضح أن استمرار الهدوء في منطقة الخليج يمثل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وهو ما يجعل أي توتر جديد مصدر قلق للدول الإقليمية وللأسواق العالمية في الوقت نفسه.
وأشار إلى أن هذه الدول تنظر إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز باعتباره قضية استراتيجية لا يمكن التهاون فيها، نظرًا للدور الحيوي الذي يلعبه المضيق في حركة النفط والتجارة العالمية.
مضيق هرمز في قلب الحسابات
لفت محمود إلى أن مضيق هرمز يظل أحد أهم الملفات المرتبطة بالأزمة الأمريكية الإيرانية، باعتباره ممرًا حيويًا تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
وأوضح أن أي اضطراب في الملاحة داخل المضيق قد ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، وهو ما يدفع العديد من الدول إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية للحيلولة دون الوصول إلى هذه المرحلة.
وأضاف أن الحفاظ على حرية الملاحة يمثل مصلحة مشتركة للدول الإقليمية والقوى الاقتصادية الكبرى، الأمر الذي يفسر الاهتمام الدولي المستمر بتطورات الأزمة.
تحركات دبلوماسية عربية لاحتواء الأزمة
أكد الخبير الاستراتيجي أن عددًا من الدول العربية كثف خلال الفترة الأخيرة اتصالاته وتحركاته السياسية مع مختلف الأطراف بهدف خفض حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وأشار إلى أن هذه الجهود تستهدف تشجيع جميع الأطراف على تبني الحلول الدبلوماسية بدلًا من التصعيد العسكري، بما يحافظ على استقرار المنطقة ويمنع اندلاع مواجهات قد تكون لها تداعيات واسعة.
وأضاف أن التحرك العربي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أي صراع جديد ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن والاقتصاد والتنمية في المنطقة.
تصريحات ترامب والموقف الإيراني
وتناول محمود التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، مؤكدًا أنها لا تمثل تحولًا جديدًا في الخطاب السياسي الأمريكي، إذ سبق للرئيس الأمريكي أن استخدم لهجة مشابهة في مناسبات عديدة.
وأوضح أن طهران لا تبدو متأثرة بهذه التصريحات بصورة مباشرة، بل تتعامل معها باعتبارها جزءًا من الضغوط السياسية المعتادة، مع استمرارها في اتباع استراتيجيتها القائمة على تعزيز أوراق القوة.
وأشار إلى أن القيادة الإيرانية تركز على كيفية إدارة الأزمة بما يحقق أكبر قدر من المكاسب السياسية والاستراتيجية، دون إظهار تراجع أمام الضغوط الخارجية.
رفع كلفة أي مواجهة محتملة
أكد مدير معهد الدراسات الاستراتيجية أن إيران تعمل باستمرار على رفع كلفة أي مواجهة عسكرية محتملة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، بهدف ردع خصومها وتقليل فرص اللجوء إلى الخيار العسكري.
وأوضح أن هذه السياسة تمنح طهران قدرة أكبر على التفاوض، لأنها تجعل أي قرار بالتصعيد أكثر تعقيدًا بالنسبة للأطراف الأخرى، في ظل ما قد يترتب عليه من تداعيات أمنية واقتصادية.
وأضاف أن هذا النهج يعزز موقف إيران على طاولة المفاوضات، ويمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية في الملفات الإقليمية والدولية.
مستقبل الأزمة بين التهدئة والتصعيد
تشير المؤشرات الحالية إلى استمرار حالة الترقب في العلاقات الأمريكية الإيرانية، في ظل توازن دقيق بين الضغوط السياسية والتحركات الدبلوماسية، بينما تبقى احتمالات التهدئة مرتبطة بقدرة الأطراف المعنية على تغليب الحلول السياسية.
وفي المقابل، يظل الحفاظ على أمن الخليج واستقرار الملاحة الدولية أولوية رئيسية للدول العربية، التي تواصل جهودها لخفض التوتر ومنع انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة قد تؤثر على أمن المنطقة والعالم.
لمشاهدة الفيديو هنا