الخميس 30 يوليو 2026 الموافق 16 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
فن ومنوعات

مفاجأة علمية.. سرطان ينتقل من سمكة إلى أخرى عبر الخلايا السرطانية

خلايا سرطانية _ تعبيرية
خلايا سرطانية _ تعبيرية

توصل فريق من العلماء إلى اكتشاف علمي غير مسبوق يتمثل في رصد رابع نوع معروف من السرطان المعدي على مستوى العالم، والأول الذي يتم اكتشافه في أسماك المياه العذبة، بعدما أثبتت دراسة حديثة أن خلايا سرطانية حية تنتقل مباشرة من سمكة إلى أخرى، في ظاهرة نادرة أثارت اهتمام الأوساط العلمية والبحثية، لما تمثله من إضافة جديدة لفهم طبيعة السرطان وآليات انتشاره بين الكائنات الحية.

وجاءت نتائج الدراسة، التي نشرت في دورية Nature العلمية وتناولت تفاصيلها مجلة Forbes الأميركية، لتؤكد أن هذا الورم الميلانيني لا ينتج عن فيروس أو بكتيريا أو ملوثات بيئية كما كان يعتقد في البداية، وإنما ينتقل عبر الخلايا السرطانية نفسها، وهو ما يجعله أحد أندر أشكال السرطان المعروفة حتى الآن.

بداية القصة من بحيرة ممفريماغوغ

تعود بداية الاكتشاف إلى عام 2012 عندما اصطاد أحد الصيادين سمكة سلور بنية من بحيرة ممفريماغوغ الواقعة على الحدود بين الولايات المتحدة وكندا، ولاحظ وجود بقع سوداء كثيفة على جسمها تشبه القطران، وهو ما دفعه إلى تسليمها لعالم الأحياء السمكية بيتر إيمرسون، الذي كان يجري منذ عام 2009 مسحًا دوريًا للحياة السمكية في البحيرة.

وأكد إيمرسون أنه لم يشاهد من قبل مثل هذه الأورام، الأمر الذي دفع فريقًا من الباحثين إلى بدء تحقيق علمي موسع لمعرفة أسباب ظهور هذه البقع السوداء، خاصة بعدما بدأت الحالات تتكرر بصورة لافتة خلال السنوات التالية.

خلال ثلاث سنوات فقط من اكتشاف الحالة الأولى، سجل العلماء ارتفاعًا كبيرًا في معدلات الإصابة، إذ ظهرت الأورام السوداء لدى ما يتراوح بين 25% و40% من أسماك السلور البنية الموجودة في البحيرة، وهو معدل غير معتاد أثار مخاوف الباحثين من وجود عامل جديد مسؤول عن انتشار المرض.

وأظهرت عمليات الرصد الميداني أن الإصابات لم تكن معزولة، بل امتدت إلى أعداد كبيرة من الأسماك داخل البحيرة، وهو ما دفع العلماء إلى توسيع نطاق البحث لمعرفة طبيعة المرض وآلية انتقاله بين الكائنات المائية.

في البداية اعتقد الباحثون أن السبب قد يكون التلوث البيئي، خاصة بعد الإعصار الاستوائي "إيرين" الذي اجتاح المنطقة عام 2011، حيث رجح العلماء أن الفيضانات ربما كشفت عن مواد كيميائية مسرطنة داخل مستجمعات المياه، وهو ما دفعهم إلى تحليل المياه والبيئة المحيطة.

كما خضعت عينات من أنسجة الأسماك لتحليلات جينية متقدمة داخل مركز المعلوماتية الحيوية بجامعة فيرمونت، بحثًا عن فيروسات أو ميكروبات قد تكون مسؤولة عن المرض، إلا أن سنوات من الفحوص الدقيقة لم تكشف عن أي عامل معدٍ معروف يمكنه تفسير هذه الظاهرة.

بعد استبعاد جميع الفرضيات التقليدية، اتجهت الباحثة جولي دراغون، الأستاذة المشاركة في علم الأحياء الدقيقة وعلم الوراثة الجزيئية بجامعة فيرمونت، إلى تحليل الطفرات الوراثية الموجودة داخل الأورام، ومقارنتها بالأنسجة السليمة الخاصة بكل سمكة.

وأظهرت النتائج اختلافًا جذريًا عن السرطانات التقليدية، إذ تبين أن جميع الأورام تمتلك بصمة وراثية واحدة تقريبًا، في حين تختلف وراثيًا عن الأسماك التي تحملها، كما تشترك الأورام الموجودة في أسماك مختلفة في مئات الآلاف من الطفرات الجينية نفسها، وهو دليل قوي على أنها تنحدر من خلية سرطانية أصلية واحدة.

سرطان استنساخي ينتقل بالخلايا

أكدت الباحثة جولي دراغون أن النتائج أثبتت وجود ما يعرف بـ"السرطان الاستنساخي"، وهو نوع نادر للغاية لا يعتمد على فيروس أو بكتيريا، بل تنتقل فيه الخلايا السرطانية الحية مباشرة من كائن حي إلى آخر، لتستمر في الانقسام داخل الجسم الجديد.

ويمثل هذا الاكتشاف إضافة مهمة إلى المعرفة العلمية، إذ لم يكن معروفًا سوى ثلاثة أنواع فقط من السرطانات المعدية في الطبيعة، بعضها يصيب الكلاب، وبعضها يصيب شيطان تسمانيا، إضافة إلى بعض الرخويات البحرية، بينما يعد هذا أول سرطان معدٍ يتم توثيقه في أسماك المياه العذبة.

وفي عام 2017 أعاد فريق البحث تنفيذ مسح شامل للبحيرة، شمل أربعة مواقع داخل ولاية فيرمونت الأميركية وثلاثة مواقع في مقاطعة كيبيك الكندية، للكشف عن مدى انتشار المرض داخل النظام البيئي المائي.

وأظهرت النتائج أن معدلات الإصابة كانت متقاربة في جميع المواقع، ما يشير إلى أن المرض تمكن من الانتشار في بحيرة يتجاوز طولها ثلاثين ميلًا خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات، وهو معدل انتشار وصفه الباحثون بأنه سريع للغاية بالنسبة لهذا النوع من الأمراض.

لم يتوقف الأمر عند بحيرة ممفريماغوغ، إذ كشفت التحليلات الجينية أن أصل السرطان ربما يعود إلى مناطق أخرى، بعدما تبين أن الأورام الموجودة في البحيرة أقرب وراثيًا إلى أسماك سليمة تعيش في ولايتي نيوهامبشاير وماين، مقارنة بأسماك البحيرة نفسها.

كما رصد العلماء وجود إصابات مماثلة في عدة ولايات ومقاطعات أخرى، من بينها نيوبرونزويك، ونوفا سكوشا، وماساتشوستس، وبنسلفانيا، ونيويورك، وويسكونسن، وهو ما يشير إلى أن المرض أصبح واسع الانتشار داخل أجزاء كبيرة من أميركا الشمالية.

يرى الباحثون أن محدودية انتشار السرطان في بعض البحيرات دون غيرها قد تكون مرتبطة بقدرته على الانتقال بين المسطحات المائية، وليس بملاءمة البيئة وحدها، وهو ما دفع العلماء إلى ترجيح أن النشاط البشري، مثل نقل الأسماك أو معدات الصيد أو القوارب بين البحيرات، قد يكون أحد الأسباب المحتملة لانتقال الخلايا السرطانية.

وأوضح الباحثون أن هذا النمط يختلف عن الأمراض البيئية التقليدية، لأن السرطان يظهر بكثافة كبيرة داخل بعض البحيرات، بينما يغيب تمامًا عن أخرى مجاورة، وهو ما يعزز فرضية انتقاله بوسائل خارجية وليس نتيجة تغيرات بيئية فقط.

يتسبب الورم الميلانيني في ظهور كتل سوداء كثيفة على جلد سمكة السلور، كما يمتد إلى الفم والشوارب الحسية التي تعتمد عليها في البحث عن الغذاء داخل قاع البحيرات، الأمر الذي يؤدي إلى تقصير هذه الزوائد ويؤثر بشكل مباشر في قدرة السمكة على التغذية والبقاء.

ويرى العلماء أن هذا الاكتشاف لا يقتصر على كونه ظاهرة بيئية نادرة، بل يمثل فرصة مهمة لفهم كيفية تطور السرطان وقدرته على الانتقال بين الكائنات الحية، وقد يسهم مستقبلًا في تطوير الأبحاث المتعلقة بعلم الأورام وآليات مقاومة انتشار الخلايا السرطانية، خاصة أن السرطانات المعدية تعد من أندر الظواهر البيولوجية المسجلة حتى الآن، ما يجعل هذا الاكتشاف محطة بارزة في مجال الأبحاث الطبية والبيئية.