الأربعاء 29 يوليو 2026 الموافق 15 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

من "غزة الجديدة" إلى "رفح الجديدة".. واشنطن بوست تكشف كيف تقلصت طموحات خطة ترامب

 ترامب
ترامب

رصدت صحيفة واشنطن بوست تحول طموحات الإدارة الأمريكية بشأن غزة من مدينة المستقبل المنشود إلى مشروع إنقاذ محدود، فقبل أشهر فقط، بدت رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة تشكيل قطاع غزة طموحة إلى حد غير مسبوق. 

فقد روج لمشروع "غزة الجديدة" باعتباره خطة لإعادة بناء القطاع بالكامل وتحويله إلى مركز اقتصادي وسياحي متطور يضم ابراجا سكنية ومناطق صناعية عالية التقنية وشريطا ساحليًا حديثًا، تقوده هيئة دولية حملت اسم "مجلس السلام". 

لكن تقريرا مطولا نشرته واشنطن بوست يكشف أن هذه الرؤية الواسعة بدأت تنكمش بصورة ملحوظة، بعدما اصطدمت بواقع سياسي وأمني أكثر تعقيدا مما توقعته الإدارة الأمريكية. 

وبدلا من إعادة إعمار القطاع بأكمله، بات التركيز ينصب على إنشاء منطقة تجريبية صغيرة في جنوب غزة تحمل اسم "رفح الجديدة"، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من زخم المبادرة بعد تعثر مراحلها الأساسية.

عقبات سياسية وأمنية تعرقل التنفيذ

وتوضح الصحيفة أن المرحلة الثانية من الخطة كانت تقوم على معادلة متزامنة تشمل نزع سلاح حركة حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيًا، وتشكيل إدارة فلسطينية انتقالية، مع نشر قوة دولية لتوفير الأمن أثناء إعادة الإعمار. غير أن هذه العناصر بقيت خبرا على ورق، إذ يتمسك كل طرف بموقف "ابدأ أنت أولا". 

فمن ناحية، ترفض حركة حماس التخلي عن سلاحها قبل ضمان الانسحاب الإسرائيلي، بينما تصر إسرائيل على أن نزع السلاح يجب أن يسبق أي انسحاب، ما أدى إلى شلل شبه كامل في مسار التنفيذ. 

وفي الوقت نفسه، يواصل الجيش الإسرائيلي توسيع نطاق سيطرته داخل القطاع، بينما لا تزال الأوضاع الإنسانية شديدة القسوة رغم تحسن محدود في وصول المساعدات الغذائية، وفق تقييمات برنامج الأغذية العالمي.

"رفح الجديدة".. مشروع مؤقت بدلا من حلم ترامب الكبير

في مواجهة هذا الجمود، قدم مجلس السلام إلى الكونجرس تصورا جديدا يقوم على إنشاء منطقة إنسانية وإدارية تجريبية تستوعب نحو 50 ألف فلسطيني في منطقة تقع قرب مدينة رفح المدمرة جنوب القطاع. 

وبحسب الخطة، ستضم المنطقة مساكن مؤقتة وخدمات طبية وإنسانية وإدارة مدنية فلسطينية، على أن تتولى قوة استقرار دولية بقيادة اللواء الأمريكي جاسبر جيفرز مسؤولية الأمن الفاصل بين السكان والقوات الإسرائيلية. 

وتقدر تكلفة المشروع بنحو 150 مليون دولار، مع استهداف الانتهاء منه قبل نهاية العام، باعتباره خطوة انتقالية يمكن البناء عليها إذا توفرت ظروف سياسية وأمنية أكثر ملاءمة. غير أن الخطة لا تزال تواجه تساؤلات بشأن مدى استعداد الفلسطينيين للانتقال إلى منطقة تقع داخل نطاق السيطرة الإسرائيلية، حتى وإن سمح لهم بالدخول والخروج منها بحرية، كما يقول مسؤولو المشروع.

إسرائيل وحماس.. فجوة الثقة تتسع

وترى الصحيفة أن المشكلة لا تتعلق بالجوانب اللوجستية وحدها، بل بانعدام الثقة بين جميع الأطراف. فقد أعلن عدد من الوزراء الإسرائيليين صراحة أنهم لا يعتزمون الانسحاب من غزة، بل يدعون إلى إعادة إقامة مستوطنات داخل القطاع، بينما وصف رئيس الأركان الإسرائيلي خط السيطرة الحالي بأنه "الحدود الجديدة" لإسرائيل. 

وفي المقابل، أكد الرئيس الجديد للمكتب السياسي لحماس، خليل الحية، أن إعادة إعمار غزة يجب ألا تكون مشروطة بتنازلات سياسية أو أمنية، دون أن يقدم تصورًا عمليًا لكيفية تحقيق ذلك. ويرى دبلوماسيون وخبراء أمريكيون أن هذه المواقف تجعل أي تقدم كبير في الخطة أمرا بالغ الصعوبة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وما تفرضه من حسابات سياسية داخلية.

تمويل متاح وتنفيذ مؤجل

ورغم التعثر، لا يزال مجلس السلام يسعى لإقناع المجتمع الدولي بأن المشروع لم يفشل. وتشير واشنطن بوست إلى أن المجلس طلب دعما إضافيا من صندوق أمريكي لحفظ السلام بقيمة 200 مليون دولار، إلى جانب نحو 300 مليون دولار تعهدت بها دول مانحة، فيما وافقت المفوضية الأوروبية و15 دولة أوروبية على تمويل مشروعات تعافي مبكر في غزة بنحو مليار دولار. 

لكن الصحيفة تشير إلى أن الأموال وحدها لن تكون كافية ما لم تحسم القضايا الأمنية والسياسية التي تعطل التنفيذ منذ أشهر، وهو ما يجعل "رفح الجديدة" أقرب إلى محاولة للحفاظ على مسار الخطة من الانهيار الكامل، أكثر من كونها بداية فعلية لمشروع "غزة الجديدة" الذي طُرح في منتدى دافوس مطلع العام. وبين الحلم الأول والواقع الحالي، تبدو الفجوة واسعة، فيما يبقى مستقبل غزة رهينا بتفاهمات لم تنضج بعد بين القوى المتصارعة على الأرض.