كيف تحول حادث مانهاتن إلى حملة سياسية ممنهجة ضد زهران ممداني؟
بعد وقوع حادثة أمنية أمام مجمع "26 فيدرال بلازا" في مانهاتن، وهو المبنى الذي يضم مكاتب وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية "آيس"، ومحكمة الهجرة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك، أوضح المسؤول الأمني في نيويورك، جيمس بارناكل، وفقا للتحقيقات وصول المشتبه به أندرو أرابكا، 43 عامًا، وهو جندي سابق في الجيش الأمريكي والحرس الوطني، إلى المكان وهو يجر عربة تحمل لافتة كتب عليها "أخرجوا آيس من شوارعنا"، قبل أن يسكب سائلًا قابلًا للاشتعال عند مدخل الموظفين ويشعل النار فيه، وفقا لمجلة فورتشن.
كما أطلق المشتبه به من بندقية "إيرسوفت" ما بين خمس إلى سبع طلقات باتجاه المبنى، وبعد أن تمكن رجال الأمن من القبض عليهم عثر بحوزته على فأسين وثلاث سكاكين ومطرقة وساطور، كما أفادت شبكة سن إن بي سي نيوز.
إصابات محدودة واعتراف بنوايا خطيرة
أسفر الهجوم عن إصابة ثلاثة أشخاص إصابات طفيفة، من بينهم موظفان فيدراليان ومهاجر كان في المبنى لحضور جلسة هجرة، وهو ما وصفه بارناكل بالمفارقة اللافتة نظرًا لتوجهات المشتبه به المعادية للوكالة، وبعد اعتقاله، صرّح أرابكا للمحققين بأنه لم يكن يمانع في إصابة أو قتل أشخاص داخل المبنى أو خارجه، سواء كانوا موظفين فيدراليين أو مدنيين، ما دفع السلطات لوصفه بـ"المتطرف المعادي للحكومة والمعادي لأمريكا"، وفقا لشبكة فوكس نيوز.
بيان ممداني الرسمي
عقب الحادثة مباشرة، وصف عمدة نيويورك زهران ممداني ما جرى بأنه "مزعج للغاية"، معربًا عن ارتياحه لعدم وقوع إصابات خطيرة ولتوقيف المشتبه به، مؤكدًا أن فريقه على تواصل مع الشرطة وسيدعم التحقيق الفيدرالي، وأن إدارته ستواصل ضمان أمن كل سكان المدينة ومحاسبة من يهددون ذلك، كما نقلت مجلة فوربس. ولم يتضمن بيان ممداني أي إشارة إلى وكالة الهجرة والجمارك أو انتقاد لسياساتها.
من حادثة أمنية إلى حملة سياسية منظمة
فور انتشار خبر الهجوم، تحول اتجاه النقاش على منصة إكس من مناقشة هوية المشتبه به ودوافعه الفعلية إلى تحميل ممداني مسؤولية سياسية عن المناخ الذي أدى إليه، استنادًا إلى انتقاداته السابقة لوكالة الهجرة والجمارك.
ورصدت وحدة المصادر المفتوحة عينة ضمت نحو 5000 سجل من المنشورات والتفاعلات بين 20 و22 يوليو، سجلت خلالها نحو 2000 عملية تفاعل شملت الإشارات والتعليقات وإعادة النشر، أظهرت أن الحملة لم تنطلق من مصدر واحد بل تشكلت عبر موجات متتابعة بدأت بحسابات محدودة التأثير قبل أن تتبناها حسابات أوسع انتشارًا.
الحساب الأول ومسار الاتهام
من بين أوائل من وجه الاتهام مباشرة، قدم حساب إريك دوجرتي الحادث كنتيجة لخطاب اليسار المناهض لوكالة الهجرة والجمارك، مطالبًا ممداني بالاستقالة واستشهد بتصريح سابق للعمدة وصف فيه الوكالة بأنها أرعبت الأمريكيين. كما أعاد حساب "ديفايانت إلز" تداول مقطع فيديو قديم لممداني يتحدث فيه عن الوكالة، تحول لاحقًا إلى مادة أساسية في اتهامات التحريض الموجهة إليه.
تصريحات توم هومان تمنح الحملة زخمًا رسميًا
اكتسبت الحملة دفعة إضافية بعدما هاجم مسؤول ملف الحدود في إدارة الرئيس دونالد ترمب، توم هومان، كلا من ممداني وزعيم الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب حكيم جيفريز، معتبرًا أن إدانتهما للحادث جاءت متأخرة بعد فترة طويلة من وصف عناصر الوكالة بأوصاف قاسية. وسارعت حسابات مثل "إم إيه راثمان" و"ترينت ليسي" إلى تضخيم هذه التصريحات، بربط ما وصفوه بـ"الخطاب التحريضي" ضد الوكالة بوقوع العنف الفعلي ضد منشآتها الفيدرالية.
اتهامات مباشرة ومضمون عنصري
تجاوزت بعض الحسابات، مثل جينا ميلان وجانثر إيجلمان وتريشا بوسنر، حدود النقد السياسي إلى اتهام ممداني مباشرة بأنه سبب الهجوم، مستخدمة أحيانًا أوصافًا عنصرية ومعادية للمهاجرين مثل "غير أمريكي" أو "الاشتراكي الإسلامي"، إلى جانب ادعاءات منفصلة غير مثبتة تربطه بمحاولات تواصل مزعومة مع إيران خارج القنوات الرسمية. وبذلك، اتسع نطاق الحملة ليشمل ملفات الهجرة واليسار والهوية الدينية والسياسة الخارجية في خطاب واحد متشابك.
غياب الدليل المباشر
رغم اتساع الحملة وتشعبها، لم تقدم أي من الروايات المتداولة دليلًا مباشرًا يربط ممداني بالمشتبه به أو يثبت أن تصريحاته كانت سببًا فعليًا في الهجوم. ويكشف تحليل شبكة التفاعل أن قوة الحملة لم تنبع من حساب واحد مؤثر، بل من تراكم تدريجي انتقل من حسابات صغيرة إلى أخرى أوسع انتشارًا وارتباطًا بالتيار المؤيد لترمب و"ماجا".
وعلقت صحيفة ميامي هيرالد بالقول إن حادثة أمنية واحدة قابلة لأن تتحول خلال ساعات إلى معركة سياسية رقمية واسعة، حين تلتقي شبكة منظمة من الحسابات حول رواية واحدة رغم غياب أي دليل يدعمها. فبينما يبقى نقد سياسات العمدة حقًا مشروعًا لخصومه، فإن الانتقال من النقد إلى تحميله مسؤولية مباشرة عن عمل عنيف نفذه شخص آخر يتطلب أدلة واضحة لم تظهر بعد في المادة المتداولة، ما يجعل الحملة ضد ممداني أقرب إلى توظيف سياسي لحادث أمني منفصل تمامًا عن مضمونها.