الإعلام الإسرائيلي: 4 نقاط أساسية أغفلها الاتفاق مع لبنان
يحاول رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تسويق الاتفاق الجديد مع لبنان باعتباره إنجازا سياسيا وأمنيا يمهد لإنهاء سنوات من المواجهة على الجبهة الشمالية، إلا أن هذا الخطاب لم يلق الإجماع داخل إسرائيل. فبينما تحدث نتنياهو عن "إنجاز تاريخي" ومرحلة جديدة قد تقود مستقبلا إلى اتفاق سلام، سارعت صحف إسرائيلية وخبراء أمن إلى التشكيك في جدوى الاتفاق، معتبرين أن القضايا الأكثر حساسية بقيت خارج النص، وأن ما تحقق لا يتجاوز إطارا سياسيا قابلا للانهيار عند أول اختبار ميداني.
وجاء هذا الجدل بعد ظهور نتنياهو مرتين خلال أقل من أربع وعشرين ساعة للدفاع عن الاتفاق، مؤكدا أن إسرائيل احتفظت بحقها في البقاء داخل الحزام الأمني في جنوب لبنان إلى حين زوال أي تهديد، وأن إيران وحزب الله لن يكون لهما أي دور في مستقبل القرار اللبناني.
معضلة السلاح... سؤال لا يملك أحد إجابته
ورغم الرسائل المتفائلة الصادرة عن حكومة الاحتلال، ركزت تحليلات صحف إسرائيلية على سؤال اعتبرته جوهر الاتفاق: من سينزع سلاح حزب الله؟
فالاتفاق، بحسب تلك التحليلات، يفترض أن يتولى الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية فرض سيطرتهما الكاملة على الجنوب وتجريد حزب الله من سلاحه، وهي مهمة عجزت الحكومات اللبنانية عن تنفيذها طوال عقود، سواء بعد اتفاق الطائف أو بعد القرار 1701 أو حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في عام 2024.
ويرى محللون إسرائيليون أن انتشار الجيش اللبناني وإقامة الحواجز الأمنية قد يحققان حضورا رمزيا للدولة، لكن الانتقال إلى تفكيك البنية العسكرية لحزب الله يمثل تحديا مختلفا تماما، في ظل امتلاك الحزب نفوذا عسكريا وسياسيا واسعا داخل لبنان.
أربع ثغرات تهدد الاتفاق
وركز تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت" على أربع نقاط رئيسية قال إنها لم تجد إجابة واضحة داخل الاتفاق، وقد تتحول إلى مصدر أزمة خلال مرحلة التنفيذ.
أولى هذه النقاط غياب أي جدول زمني ملزم، إذ لا يحدد الاتفاق مواعيد واضحة لإنجاز الالتزامات أو حتى مراحل التقدم، ما يفتح الباب أمام تأجيل التنفيذ إلى أجل غير معلوم.
أما النقطة الثانية فتتمثل في غياب نص صريح بشأن وقف إطلاق النار، إذ لا يتضمن الاتفاق آلية واضحة للإشراف على تثبيت الهدنة أو معالجة أي خروقات محتملة، رغم أن هذا الملف يعد أساسيا لأي ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بالتفاؤل الذي أبداه وزير الأمن يسرائيل كاتس، عندما تحدث عن "واقع أمني جديد" في شمال إسرائيل، بينما يتساءل محللون: إذا كانت الحكومة اللبنانية لم تتمكن خلال السنوات الماضية من نزع سلاح حزب الله، فما الذي يجعلها قادرة على تنفيذ هذه المهمة الآن؟
ويبقى العنصر الرابع، وربما الأخطر، أن حزب الله نفسه ليس طرفا في الاتفاق، بل أعلن رفضه له، وهو ما يثير شكوكا حول إمكانية تطبيق أي تفاهمات ميدانية دون موافقة القوة المسلحة الأكثر حضورا في جنوب لبنان.
"غزة 2"... السيناريو الذي يقلق إسرائيل
ولم تتوقف التحذيرات عند تفاصيل الاتفاق، إذ نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصدر سياسي مطلع أن الصيغة الحالية قد تحول جنوب لبنان إلى ما وصفه بـ"غزة 2".
وبحسب المصدر، فإن انسحاب القوات الإسرائيلية مشروط بنزع سلاح حزب الله وفرض الجيش اللبناني سيطرته الكاملة على المنطقة، وهي شروط قد تبقى غير قابلة للتحقق لفترة طويلة، ما يمنح إسرائيل مبررا للاستمرار في وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية.
ويرى المصدر أن هذا الواقع قد يخلق وضعا مشابها لما يحدث في قطاع غزة، مع استمرار العمليات العسكرية والتوتر الأمني، لكن بفارق مهم يتمثل في أن القوات الإسرائيلية داخل لبنان ستظل معرضة لهجمات مباشرة، بما يبقي احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.
معادلة يصعب كسرها
ويجمع عدد من الخبراء الإسرائيليين على أن الاتفاق يواجه معضلة يصعب تجاوزها. فإسرائيل تربط انسحابها الكامل بتفكيك حزب الله، بينما يرفض الحزب التخلي عن سلاحه طالما استمر الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
وبين هذين الشرطين المتناقضين، تبدو فرص الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق محدودة، فيما تبقى الحدود الشمالية مرشحة لمزيد من التوتر، حتى وإن نجح الاتفاق في خفض مستوى المواجهات مؤقتا.
ويرى منتقدو الاتفاق داخل إسرائيل أن الحكومة نجحت في تحقيق مكسب سياسي وإعلامي، لكنها لم تقدم حتى الآن إجابات مقنعة عن الأسئلة الأمنية الأكثر تعقيدا، وهو ما يجعل نجاح الاتفاق مرهونا بما سيحدث على الأرض، لا بما ورد في نصوصه أو في المؤتمرات الصحافية التي رافقت الإعلان عنه.