استقالة ستارمر.. بريطانيا تبحث عن سابع رئيس وزراء في 10 سنوات
أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فجأةً صباح اليوم الاثنين استقالته من قيادة حزب العمال ومن رئاسة الحكومة، بعد أقل من عامين على فوز انتخابي تاريخي أوصله إلى السلطة بأغلبية ساحقة. وقف الرجل أمام بوابة داونينج ستريت 10 إلى جانب زوجته في خطاب متلفز بالغ الشحنة العاطفية، ليسدل الستار على حقبة قصيرة اتسمت بالاضطراب وتراكم الأزمات، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي.
"سمعت الإجابة وأقبلها بروح رياضية"
لم يحاول ستارمر إخفاء انكساره حين استحضر ذكرى وصوله إلى داونينج ستريت قبل عامين، واصفًا تلك اللحظة بأنها كانت "أكثر لحظة في حياتي فخرا"، قبل أن يقر بالأمر الواقع قائلًا: "السؤال الذي يطرحه حزبي هو ما إذا كنت أنا الشخص الأنسب لقيادته إلى الانتخابات العامة المقبلة، وقد سمعت إجابة كتلتي البرلمانية وأقبلها بروح رياضية".
وحرص ستارمر على تسليط الضوء على إنجازاته قبل مغادرته؛ إذ أكد أن الاقتصاد البريطاني بات ينمو بوتيرة تفوق نظيراته بين الدول الغربية، مع ارتفاع الأجور فوق معدلات التضخم في كل شهر منذ توليه السلطة، وأن قوائم الانتظار في هيئة الصحة الوطنية شهدت أسرع تراجع لها منذ 17 عامًا، فضلًا عن إخراج نصف مليون طفل من براثن الفقر. وتعهّد بأن يمنح خلفه "دعمه الكامل غير المشروط، عارفًا أنه سيرث بريطانيا أقوى وأكثر عدلا مما ورثتها أنا."
كيف وصلنا إلى هنا؟
لم تكن استقالة ستارمر مفاجأة من فراغ، بل جاءت تتويجًا لمسار طويل من التآكل السياسي المتسارع. ففي انتخابات المجالس المحلية في مايو 2026، خسر حزب العمال السيطرة على 35 مجلسًا وقرابة 1500 مقعد، أي ما يعادل 60% من المقاعد المطروحة للتصويت، فيما مُنيَ العمال الويلزيون بهزيمة تاريخية أنهت 100 عام متواصلة من هيمنتهم على المجلس الوطني الويلزي.
وتوالت الاستقالات من داخل الحكومة كالدومينو؛ ففي مايو غادر وزير الصحة ويس ستريتينج مجلس الوزراء معلنًا فقدان ثقته بستارمر، ثم أعقبه في يونيو وزير الدفاع جون هيلي مع مساعدَيه، محتجًا بأن الميزانية الدفاعية المقررة لا ترقى إلى مستوى التحديات الأمنية الراهنة، في إشارة ضمنية إلى تداعيات الحرب على إيران وضغوط حلف الناتو. وبحلول منتصف مايو، كان أكثر من 95 نائبًا عماليًا قد طالبوا ستارمر صراحةً بالاستقالة أو تحديد جدول زمني للرحيل.
انتخابات ماكرسفيلد: الضربة القاضية
جاء المسمار الأخير في نعش ستارمر من دائرة ماكرسفيلد الانتخابية الفرعية، حين حسمها آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، في 18 يونيو بنسبة 54.8% من الأصوات، فاتحًا الطريق أمامه للعودة إلى البرلمان وبالتالي للتنافس على رئاسة الوزراء. وبعد عطلة نهاية أسبوع من المداولات المكثفة مع وزرائه، أذعن ستارمر للضغوط وأعلن استقالته.
بيرنهام "ملك الشمال" يعلن ترشحه فورًا
لم تمضِ ساعة على خطاب ستارمر حتى أعلن بيرنهام ترشحه رسميًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كاتبًا: “قرار كير بداية مرحلة انتقالية، ومن الضروري أن تسير هذه العملية بانتظام ومسؤولية، وسأُقدِّم نفسي مرشحًا فيها”. ويدخل بيرنهام السباق حاملًا لقب "ملك الشمال" الذي اكتسبه دفاعًا شرسًا عن مجتمعات شمال إنجلترا في مواجهة سياسات لندن المركزية، وكان صاحب مبادرة إعادة شبكة حافلات مانشستر إلى القطاع العام.
وفي مفاجأة سياسية لافتة، أعلن ستريتينج، الذي كان يعد المنافس الرئيسي لبيرنهام، دعمه الصريح له قائلًا: "آندي أثبت ما يمكن أن يكون عليه حزب العمال حين يكون شاملًا ومتحدًا ومتلامسًا مع حياة الناس الذين تأسس الحزب ليمثلهم، وأمضيتُ الأسابيع الماضية أستمع إلى ناخبينا في المناطق التي خسرناها."
سيناريوهات المنافسة
تُشير تقارير بي بي سي إلى أن عددًا متزايدًا من نواب العمال يرجحون تتويج بيرنهام دون منافسة رسمية. غير أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام مرشحين من التيار الوسطي اليميني، وتتضمن قائمة الأسماء المتداولة وزير الخارجية دافيد لامي وأنجيلا رينر وشبانة محمود وإد ميليباند. في المقابل، طالب زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج بـ"إجراء انتخابات عامة في أقرب موعد ممكن"، واصفًا ستارمر بأنه "أكثر رؤساء الوزراء عجزًا" في التاريخ البريطاني الحديث.
جدول زمني في لحظة دولية حساسة
وحدد ستارمر جدولًا يقضي بفتح باب الترشح في التاسع من يوليو وإغلاقه قبيل العطلة البرلمانية الصيفية في 16 يوليو، على أن يكون الزعيم الجديد في موقعه قبل عودة البرلمان في الأول من سبتمبر. وفي حال ترشّح بيرنهام دون منافس، فقد يصبح الرئيس السابع للوزراء في منتصف يوليو المقبل خلال آخر 10 سنوات.
بيد أن هذه المرحلة الانتقالية تلقي بظلالها على استحقاقات دولية بالغة الحساسية؛ أبرزها قمة حلف الناتو المرتقبة التي ستُحدد فيها الدول خططها لرفع الإنفاق الدفاعي، فضلًا عن قمة بريطانية-أوروبية في بروكسل تُعدّ محورية لمساعي لندن في إعادة رسم علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. وهكذا تجد بريطانيا نفسها للمرة السابعة في عقد واحد أمام مشهد تسليم المفاتيح في داونينج ستريت، باحثةً عن قيادة جديدة في لحظة لا تحتمل الفراغ.