الجمعة 22 مايو 2026 الموافق 05 ذو الحجة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

كيف صمدت أهرامات الجيزة أمام 4500 عام من الزلازل؟

أهرامات الجيزة -
أهرامات الجيزة - أرشيفية

لا يزال سر الهندسة المصرية القديمة يثير حيرة علماء الزلازل والمعماريين في القرن الحادي والعشرين؛ ففي منطقة تقع على مقربة من أحد أكثر الأحزمة الزلزالية نشاطًا في العالم، تقف أهرامات الجيزة شامخة منذ 4500 عام، دون أن تتصدع جدرانها أو تنهار قممها، رغم عشرات الزلازل التي ضربت المنطقة عبر آلاف السنين.

ويتذكر المصريون جيدًا زلزال عام 1992 الذي دكّ أحياء القاهرة وأودى بحياة أكثر من خمسمئة شخص وشرد الآلاف، فيما ظلت الأهرامات في مكانها دون أن تتزحزح حجرًا واحدًا.

ويطرح العلماء اليوم سؤالًا لا يكفون عن البحث في إجابته: كيف صمد هذا البناء كل هذا الوقت؟.

اختيار الموقع باستخدام العلم وليس الصدفة

لم يكن اختيار بناة الأهرامات للمكان عشوائيًا، إذ اختاروا هضبة الجيزة موقعًا لأعظم منشآتهم، فأقاموا هرمهم الخالد فوق طبقة من الحجر الجيري الصلب، تمتص موجات الزلازل بدلًا من تضخيمها، وهو ما تعجز عنه التربة الرسوبية الرخوة التي تحوّل الاهتزازات البسيطة إلى كوارث مدمرة.

ويرى باحثون في جامعة القاهرة أن هذا الاختيار الجيولوجي الدقيق يكشف عن معرفة هندسية عميقة تجاوزت حدود عصرها بقرون. 

وتُشير الدراسات الحديثة إلى أن هذه الهضبة الصخرية تعمل عمليًا كعازل طبيعي يُخمّد الطاقة الزلزالية قبل أن تصل إلى قاعدة البناء، وفقًا لمجلة ذا كونفرسيشن.

حدس غريزي وراء الاختيار

ما يلفت الانتباه أكثر هو أن بعض الباحثين يصفون ما حدث بأنه لم يكن مجرد معرفة تقنية فحسب، بل ربما نتج عن ما يمكن تسميته بحدس غريزي لدى البنائين القدماء، هذا الحدس، الذي تبلور عبر خبرة طويلة مع الأرض ونهر النيل والجيولوجيا المحيطة، قد يكون قادهم إلى اختيار موقع يبدو اليوم مثاليًا من منظور علم الزلازل الحديث، وكأنهم امتلكوا إدراكًا فطريًا خفيًا لطبيعة الأرض واستقرارها، قبل أن تتطور علوم الجيولوجيا بآلاف السنين.

بناء هرم ثقيل عمدًا ليصمد أمام الأرض

يبلغ وزن هرم خوفو وحده نحو 5.9 مليون طن، تنتشر على قاعدة مربعة تمتد على مساحة تزيد على خمسة هكتارات، ولا تمثل هذه الكتلة الهائلة ترفًا معماريًا، بل تشكل في جوهرها آلية دفاعية متقنة ضد قوى الطبيعة.

فالبنى الضخمة ذات القاعدة العريضة والمركز الثقيل المنخفض تمتلك ما يسمى في الهندسة الزلزالية بـ"الصمود الهيكلي"، أي قدرة البناء على استيعاب طاقة الاهتزاز الأفقي دون أن ينهار، وكلما اتسعت القاعدة نسبة إلى الارتفاع، ارتفعت قدرة المنشأة على مقاومة القوى الجانبية التي تولدها الأمواج الزلزالية.

حجارة دون ملاط وعبقرية لافتة

تتراوح أوزان الكتل الحجرية التي شيد بها المصريون القدماء أهرامهم بين طنين وخمسة عشر طنًا للكتلة الواحدة، وقد رصفوها فوق بعضها دون أن يربطوها بملاط صلب في طبقاتها الداخلية.

وبدا ذلك للوهلة الأولى نقطة ضعف هندسية، غير أن الدراسات الحديثة قلبت هذا الحكم. فغياب الملاط يتيح للكتل الحجرية أن تتحرك حركة محدودة أثناء الاهتزاز الزلزالي، فتوزع الطاقة على امتداد البناء بدلًا من تركّزها في نقطة واحدة تؤدي إلى الانهيار.

ويستخدم المهندسون المعاصرون المبدأ نفسه في تصميم ناطحات السحاب المقاومة للزلازل في طوكيو وسان فرانسيسكو، عبر فواصل مرنة تسمح للمبنى بالتأرجح بدلًا من الانكسار.

تشابه مذهل بين الفراعنة والهندسة الحديثة

تشير بعض الدراسات الهندسية الحديثة إلى وجود تشابه لافت بين مبادئ التصميم الفرعوني وتقنيات العزل الزلزالي المعاصرة، وقد خلصت نماذج ومحاكاة حاسوبية إلى أن هرم خوفو يعيد توزيع الإجهادات الداخلية بكفاءة عالية عند تعرضه للاهتزازات، بما يفوق في بعض الجوانب منشآت خرسانية حديثة.

هذه النتائج دفعت عددًا من الباحثين إلى إعادة النظر في فهم هندسة الأهرامات باعتبارها منظومة تصميمية متكاملة وليست مجرد إنجاز أثري ضخم، وفقًا لموقع جامعة ليفربول على الويب.

درس هندسي عابر للأزمنة

يكشف صمود أهرامات الجيزة أن المصريين القدماء فهموا الأرض التي يقفون عليها، وفهموا الحجر الذي يضعون بعضه فوق بعض، وبنوا بوعي يتخطى حدود أدواتهم البدائية.

وتثبت هذه المنشآت أن الصمود لا يحتاج دائمًا إلى تكنولوجيا متقدمة، بل إلى إدراك عميق لقوانين الطبيعة واحترامها، وفيما تتهاوى مبانٍ حديثة أمام زلازل متوسطة الشدة في أرجاء من العالم، تقف الأهرامات شاهدة على أن العبقرية الحقيقية لا تنتهي صلاحيتها.