الخميس 30 أبريل 2026 الموافق 13 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

كيف حولت القاهرة تحديات الملاحة إلى فرص عبور إقليمية متقدمة؟

الرئيس نيوز

في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة في الشرق الأوسط، وفي ظل فقدان الزخم المتوقع بشأن عودة خطوط الشحن البحري إلى مساراتها التقليدية عبر قناة السويس، شرعت مصر في التحرك بمرونة استراتيجية لإعادة تموضعها كمحور عبور إقليمي متقدم. هذا التحول يضع القاهرة في قلب سلاسل الإمداد الجديدة، عبر نموذج متكامل يجمع بين النقل البحري والبري لتأمين تدفقات التجارة بين أوروبا ودول الخليج، وفقا لمجلة لودستار المتخصصة في شؤون الشحن البحري.

ممر لوجستي متكامل يعيد توجيه حركة التجارة

وبرز ممر شحن حديث يعتمد على نظام "رورو" كأحد أبرز البدائل العملية، حيث يربط بين مدينة ترييستي الإيطالية وميناء دمياط على البحر المتوسط، بإدارة شركة DFDS، قبل أن يمتد جنوبًا إلى ميناء سفاجا على البحر الأحمر.

ومن هناك، تتحرك الشاحنات برًا عبر الأراضي المصرية، لتُستكمل الرحلة بحرًا بواسطة سفن "رو-باكس" التابعة لشركة بان مارين نحو ميناء نيوم في السعودية، ثم تنطلق مجددًا عبر شبكة الطرق إلى أسواق الإمارات والكويت وعُمان والعراق، إلى جانب بقية دول مجلس التعاون الخليجي.

مرونة تشغيلية تلبي احتياجات الشحن السريع

يقدم هذا الممر خيارا عمليا للشحنات التي تتطلب سرعة في التسليم، مثل السلع الاستهلاكية سريعة الدوران، والمنتجات الغذائية بنوعيها الجاف والمبرد، والبضائع القابلة للتلف، فضلًا عن المعدات الصناعية وشحنات التجارة الإلكترونية. ويعزز هذا النموذج من قدرته التنافسية من خلال تقليص التعقيدات المرتبطة بالمسارات التقليدية.

ورغم عدم الإفصاح عن زمن العبور الكامل، فإن الاعتماد على الأنظمة الرقمية في التنسيق بين الجهات المعنية، وعلى رأسها إدارة ميناء دمياط والجهات الجمركية، أسهم في تسريع الإجراءات التشغيلية ورفع كفاءة التخليص.

قدرات استيعابية تدعم التوسع

ويستوعب خط الربط بين ترييستي ودمياط ما يصل إلى 420 مقطورة أسبوعيًا، ما يعكس جاهزية تشغيلية قوية. في المقابل، تشغل سفينة "Pan Lily" أربع رحلات أسبوعية بين سفاجا ونيوم، بزمن إبحار يقارب سبع ساعات، وبطاقة تصل إلى 130 شاحنة و100 سيارة في الرحلة الواحدة، ما يوفر وتيرة نقل منتظمة ومستقرة.

أوروبا تقود تدفقات الشحن عبر المسار الجديد

وتتصدر كل من إيطاليا والمملكة المتحدة وألمانيا وبولندا قائمة الدول التي تعتمد على هذا الممر في تصدير بضائعها، وهو ما يعكس تنامي الثقة في هذا المسار كبديل موثوق يعيد توجيه حركة التجارة بين القارتين.

التوترات تعيد تشكيل سلاسل الإمداد

وأصبحت التحديات المرتبطة بمضيق هرمز عامل دفع رئيسي نحو ابتكار مسارات لوجستية بديلة أكثر مرونة. وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات لتسريع تنفيذ مشروع "الجسر البري السعودي"، الذي يهدف إلى ربط جدة على البحر الأحمر بكل من الدمام والجبيل على الخليج عبر شبكة سكك حديدية تمتد لنحو 1500 كيلومتر.

مشروع استراتيجي يعزز كفاءة النقل الإقليمي

من المنتظر أن ينقل المشروع أكثر من 50 مليون طن من البضائع سنويًا، إلى جانب إنشاء ما يقارب 20 مركزًا لوجستيًا ومناطق صناعية مرتبطة بالسكك الحديدية على امتداد المسار. وتُقدّر تكلفته بنحو 26.6 مليار دولار، مع استهداف اكتماله بحلول منتصف العقد المقبل، ما يمنحه دورًا محوريًا في رفع كفاءة التجارة الإقليمية.

وتعكس التحركات المصرية الأخيرة تحولًا نوعيًا من الاعتماد على الموقع الجغرافي فقط، إلى توظيف هذا الموقع ضمن منظومة لوجستية ذكية ومترابطة. وبينما تعيد الأزمات رسم خرائط التجارة العالمية، تبرز مصر كلاعب قادر على تحويل التحديات إلى فرص، عبر ممرات جديدة تختصر الزمن وتعيد تعريف كفاءة سلاسل الإمداد.