الخميس 23 أبريل 2026 الموافق 06 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

سلاح مرعب.. كيف تؤثر اضطرابات البحر الأحمر على الاقتصاد العالمي؟

الرئيس نيوز

في تحليل اقتصادي شامل، يسلط موقع «فرست بوست»، المتخصص في الشؤون الجيوسياسية، الضوء على الدور الحاسم الذي يلعبه البحر الأحمر في حركة التجارة العالمية، محذرا من أن أي اضطراب أو إغلاق في هذا الممر البحري الحيوي قد يؤدي إلى صدمة واسعة تمتد من سلاسل الإمداد إلى أسعار الطاقة والتضخم العالمي.

البحر الأحمر أحد أهم الشرايين الاستراتيجية للتجارة الدولية

ويؤكد التقرير أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر إقليمي، بل تحول إلى أحد أهم الشرايين الاستراتيجية للتجارة الدولية، حيث يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، ما يجعله نقطة عبور أساسية لحركة السلع والطاقة بين آسيا وأوروبا

ممر عالمي لربع تجارة الحاويات

تشير البيانات إلى أن هذا الممر البحري يمر عبره ما بين 12 إلى 15 في المئة من حجم التجارة العالمية، ونحو 25 إلى 30 في المئة من حركة الحاويات البحرية، إضافة إلى 12 في المئة من تجارة النفط المنقولة بحرا، وحصة مهمة من الغاز الطبيعي المسال والحبوب العالمية.

وبحسب التقديرات، تمر عبر قناة السويس وحدها أكثر من 21 ألف سفينة سنويا، أي ما يقارب 60 سفينة يوميا، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة كفيلا بإعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية بالكامل.

سيناريو الإغلاق.. طريق أطول وتكلفة أعلى

في حال إغلاق البحر الأحمر، كما حذرت شركات الشحن الكبرى، ستضطر السفن التجارية بين آسيا وأوروبا إلى تغيير مسارها عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهو مسار أطول بكثير يضيف ما بين 3500 إلى 4000 ميل بحري إلى الرحلة الواحدة.

هذا التحول لا يعني فقط زيادة زمن الرحلة بما يتراوح بين 10 إلى 15 يوما، بل يعني أيضا ارتفاعا كبيرا في تكاليف التشغيل، واستهلاك الوقود، والتأمين البحري، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع النهائية.

وتشير التقديرات إلى أن هذا التحويل قد يقلل كفاءة الشحن العالمي بنحو 30 في المئة تقريبا، وهو ما يعادل خسارة جزء كبير من القدرة التشغيلية الفعلية لأسطول الحاويات العالمي دون تقليص عدد السفن.

صدمة في سلاسل الإمداد العالمية

وأضافت فرست بوست أن أي اضطراب في البحر الأحمر ينعكس بسرعة على سلاسل الإمداد، خاصة في القطاعات التي تعتمد على نظام “الإنتاج في الوقت المناسب”، مثل السيارات والإلكترونيات والصناعات الدقيقة. وقد بدأت بعض الشركات الصناعية بالفعل في تسجيل تأخيرات في وصول المكونات القادمة من آسيا إلى أوروبا، ما أدى إلى اضطرابات في خطوط الإنتاج وارتفاع التكاليف التشغيلية.

وكشفت البيانات أن بعض المسارات التجارية شهدت ارتفاعا في أسعار الشحن بمعدلات غير مسبوقة، حيث تضاعفت تكاليف نقل الحاويات عدة مرات خلال فترات التوتر.

قفزات في أسعار الشحن وتذبذب الأسواق

خلال فترات التوتر في البحر الأحمر، ارتفعت أسعار الشحن على بعض الخطوط بين آسيا وأوروبا بما يقارب خمسة أضعاف، بينما تجاوزت الزيادة 100 إلى 140 في المئة في خطوط أخرى تربط آسيا بالولايات المتحدة.

ووصلت تكلفة شحن الحاوية الواحدة أحيانا إلى نحو 6000 دولار قبل أن تتراجع جزئيا إلى حدود 4500 دولار، لكنها بقيت أعلى بكثير من المتوسطات التاريخية، ما يشير إلى وجود ضغط هيكلي مستمر في سوق الشحن العالمي.

تراجع حركة السفن وتحول في مسارات التجارة

تشير البيانات إلى أن حركة السفن في البحر الأحمر انخفضت من أكثر من 100 سفينة يوميا إلى نحو 40 سفينة في بعض الفترات، أي تراجع يتجاوز 50 في المئة، وهو ما يعكس حجم التحول في مسارات التجارة العالمية.

وفي المقابل، تعمل شركات الشحن على زيادة عدد السفن العاملة عالميا لتعويض طول المسارات الجديدة، حيث ارتفع عدد السفن النشطة إلى نحو 5450 سفينة يوميا في محاولة للحفاظ على تدفق السلع.

تأثير مباشر على التضخم وأسعار الطاقة

يمتد تأثير الأزمة إلى الاقتصاد الكلي، حيث تؤدي زيادة تكاليف النقل والتأخير في الإمدادات إلى ارتفاع أسعار السلع النهائية، وهو ما يساهم في دفع معدلات التضخم عالميا. وتعد أسواق الطاقة الأكثر حساسية لهذا النوع من الاضطرابات، إذ يمر عبر هذا الممر نحو 12 في المئة من النفط المنقول بحرا، وقرابة 8 في المئة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي تعطيل طويل الأمد عاملا في رفع الأسعار وزيادة التقلبات.

كما أن تأخر شحنات الحبوب قد ينعكس على أسعار الغذاء، خصوصا في الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.

تأثيرات غير متكافئة بين الدول

يشير التقرير إلى أن التأثير لن يكون متساويا بين الدول، حيث ستتضرر أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا بشكل أكبر بسبب اعتمادها المباشر على هذا الممر. وفي المقابل، قد تستفيد بعض الدول الواقعة على طرق بديلة مثل رأس الرجاء الصالح من زيادة النشاط اللوجستي، لكن هذه المكاسب تبقى محدودة مقارنة بالخسائر الإجمالية في كفاءة التجارة العالمية.

يخلص التحليل إلى أن البحر الأحمر أصبح نقطة توازن حساسة في الاقتصاد العالمي. وأي إغلاق أو اضطراب فيه لا يعني فقط أزمة شحن، بل صدمة متكاملة تمتد إلى التجارة العالمية، وأسعار الطاقة، والتضخم، والنمو الاقتصادي. وفي عالم يعتمد بشكل متزايد على سلاسل إمداد دقيقة وسريعة، فإن أي اختناق في هذا الممر قد يتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية واسعة النطاق يصعب احتواؤها بسرعة.