الخميس 23 أبريل 2026 الموافق 06 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

سيناريو "صندوق النقد" يعود للواجهة.. هل يدفع التصعيد الإقليمي مصر لطلب تمويل إضافي؟| عاجل

الرئيس نيوز

في تطور يعكس حجم التشابك بين الأزمات الإقليمية والاقتصادات الناشئة، حذرت الحكومة من أن التداعيات الاقتصادية الناتجة عن الحرب بين إيران وإسرائيل بدأت تلقي بظلالها المباشرة على الموازنة العامة الجديدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة وسوق النقد الأجنبي، وسط بيئة عالمية تتسم بارتفاع عدم اليقين وتذبذب أسعار الطاقة.

وخلال عرض مشروع الموازنة أمام البرلمان، أكد وزير المالية أن الحكومة تتعامل مع التصعيد الإقليمي الحالي باعتباره “أزمة ممتدة” يصعب تحديد نهايتها، نظرا لتعقيد تداخلاتها الإقليمية والدولية، مع توقع استمرار آثارها الاقتصادية حتى نهاية العام على الأقل، وربما امتدادها إلى العام المالي التالي إذا استمرت الاضطرابات في أسواق الطاقة والملاحة.

وعلق مركز سترافور الأمريكي بالقول: "يأتي هذا التقييم بعد يوم واحد من إحاطة حكومية أمام مجلس النواب، ركزت على حجم الأضرار غير المباشرة الناتجة عن الصراع، وعلى آليات إدارة تداعياته الاقتصادية والاجتماعية، في ظل مخاوف من انتقال الصدمة إلى قطاعات التجارة والاستثمار والسياحة".

موازنة تحت ضغط المخاطر الإقليمية وتغيرات الأسواق

تشير البيانات الحكومية إلى أن مشروع الموازنة للعام المالي 2026–2027 يعكس بوضوح حجم التأثيرات المتوقعة للأزمة، حيث تم تخصيص نحو 600 مليار جنيه لدعم الطاقة، بما في ذلك دعم الكهرباء، مع زيادة كبيرة في هذا البند بلغت حوالي 39 في المئة، نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد وأسعار الوقود عالميا.

كما خصصت الدولة نحو 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية، بزيادة سنوية تقارب 12 في المئة، بهدف دعم الفئات الأكثر احتياجا، إلى جانب 90 مليار جنيه موجهة لتحفيز النشاط الاقتصادي والإنتاجي، في محاولة لتخفيف أثر الضغوط التضخمية على السوق المحلي.

ويؤكد هذا التوزيع أن الحكومة تحاول تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي من جهة، والاستجابة للضغوط المالية المتزايدة من جهة أخرى، في ظل بيئة خارجية لا يمكن التنبؤ بتطوراتها.

تحولات في نمط الإنفاق الحكومي وإدارة الأزمة

ضمن إجراءات الاستجابة السريعة، أظهرت بيانات مقدمة للبرلمان انخفاضا في استهلاك الوقود بنسبة 3 في المئة، وتراجعا في استخدام الكهرباء والإنارة بنسبة 15 في المئة، في إطار سياسات ترشيد الإنفاق وتقليل الضغط على موارد الطاقة، بالتوازي مع توقعات بارتفاع أسعارها عالميا.

كما قررت الحكومة تأجيل أو إبطاء تنفيذ عدد من المشروعات “البطيئة أو كثيفة الاستهلاك للطاقة” لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، في خطوة تعكس حالة الحذر المالي وإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية وفق التطورات الإقليمية.

إضافة إلى ذلك، تقرر حصر الإنفاق في الربع الأخير من السنة المالية الحالية على البنود الأساسية فقط، مثل الأجور والمعاشات واحتياجات قطاعات الصحة والكهرباء والبترول، بما يضمن استمرار الخدمات الحيوية دون توسع في الإنفاق غير الضروري.

قناة السويس وسلاسل الإمداد تحت تأثير غير مباشر

ورغم عدم وجود توقف مباشر في النشاط، فإن التوترات الإقليمية أثارت مخاوف من اضطرابات محتملة في حركة التجارة العالمية، خصوصا عبر الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع، وهو ما قد ينعكس على تكاليف التأمين والشحن. وبما أن مصر تعتمد على قناة السويس كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية، فإن أي تباطؤ في حركة التجارة العالمية أو إعادة توجيه خطوط الشحن قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على الإيرادات الدولارية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تعزيز احتياطاتها النقدية.

تكاليف الطاقة.. العامل الأكثر حساسية

ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا، نتيجة التوترات الجيوسياسية، يمثل أحد أبرز العوامل الضاغطة على الاقتصاد المصري، حيث يؤدي إلى زيادة فاتورة الاستيراد، وارتفاع تكلفة دعم الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على عجز الموازنة، وفقا لستراتفور.

كما أن اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يضيفان مزيدا من الأعباء على الميزان التجاري، في وقت تعتمد فيه مصر بشكل كبير على استيراد السلع الوسيطة ومكونات الإنتاج، ما يجعل الاقتصاد أكثر حساسية للصدمات الخارجية.

مخزون نقدي وإجراءات طارئة لاحتواء الصدمة

وتشير بيانات رسمية إلى أن الحكومة قامت بتعبئة نحو 135.6 مليار جنيه منذ بداية مارس لضمان استقرار القطاعات الحيوية، شملت 90.6 مليار جنيه لقطاع الطاقة، و30 مليار جنيه لتوفير السلع الأساسية مثل القمح والسكر، و15 مليار جنيه لدعم القطاع الصحي وتوفير الأدوية.

ورغم هذه الإجراءات، لا تزال المخاوف قائمة بشأن قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية إذا استمرت الحرب لفترة أطول أو اتسع نطاقها ليشمل مناطق أخرى من الشرق الأوسط، بما قد يؤدي إلى موجات تضخم جديدة.

هل يعود سيناريو صندوق النقد الدولي؟

في ظل هذه الضغوط، تتزايد التكهنات بشأن احتمال لجوء مصر إلى برنامج تمويلي جديد مع صندوق النقد الدولي، أو توسيع الاتفاق القائم، كوسيلة لتعزيز الاستقرار المالي وتوفير سيولة دولارية إضافية، مع ما قد يصاحب ذلك من إجراءات إصلاحية أكثر صرامة، وفقا لتقييم ستراتفور.

ويشير هذا السيناريو إلى أن أي تصعيد إضافي في الصراع الإقليمي قد يدفع الاقتصادات الناشئة إلى تبني سياسات تقشفية أعمق، تشمل خفض الإنفاق العام، وتسريع برامج الخصخصة، وإعادة هيكلة الدعم، بهدف الحفاظ على استقرار العملة والاحتياطيات الأجنبية.

مخاوف من تراجع الاستثمار وتحولات في سلوك الأسواق

على صعيد الاستثمار، تحذر تقديرات اقتصادية من أن استمرار حالة عدم اليقين في المنطقة قد يبطئ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث يفضل بعض المستثمرين الانتظار قبل ضخ رؤوس أموال جديدة في بيئة جيوسياسية متقلبة.

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن مصر قد تستفيد نسبيا من إعادة توزيع الاستثمارات الإقليمية إذا نجحت في تقديم نفسها كمنطقة أكثر استقرارا مقارنة بجيرانها، مع استمرار جهود الإصلاح الاقتصادي.

ويرجح مركز سترافور أن المشهد الاقتصادي المصري يدخل مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الصدمات الخارجية مع ضغوط داخلية متراكمة. وبينما تحاول الحكومة حماية الموازنة عبر سياسات الترشيد وإعادة ضبط الإنفاق، تظل الحرب الإيرانية عاملا محوريا يعيد تشكيل أولويات الاقتصاد، وقد يحدد في النهاية مدى الحاجة إلى دعم خارجي جديد، وربما يعيد رسم العلاقة مع مؤسسات التمويل الدولية خلال المرحلة المقبلة.