تآكل هيمنة واشنطن ومكاسب لبكين: 4 سيناريوهات ما بعد حرب إيران
في تحليل صادر عن المجلس الأطلسي في واشنطن، قدم الباحثان جيفري سيمينو وباري بافل قراءة مبسطة لمستقبل النظام الدولي بعد أي مواجهة إيران. وينطلق التحليل من عاملين رئيسيين هما مستوى التدخل العسكري الأمريكي في الخليج، وهل سيكون محدودا أم واسعا ومستمرًا، وطبيعة الدور الصيني، هل سيبقى اقتصاديًا حذرًا أم يتحول إلى تدخل استراتيجي نشط. ومن خلال الجمع بين هذين العاملين، يطرح التقرير أربعة سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح التوازن العالمي في المرحلة المقبلة.
ويرى الباحثان أن السيناريو الأقرب للحدوث حاليًا يتمثل في ما يسميه التقرير “التآكل المدار” للهيمنة الأمريكية. في هذا الوضع، تكتفي الولايات المتحدة بضربات عسكرية مركزة تستهدف القدرات النووية والصاروخية لإيران دون التورط في حرب برية واسعة أو احتلال طويل. في المقابل، تظل الصين بعيدة عن التصعيد السياسي أو العسكري، وتكتفي بالاستفادة الاقتصادية، سواء من شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة أو من فرص إعادة الإعمار. النتيجة هي حالة وسط: لا حرب شاملة ولا سلام كامل، مع بقاء النظام الإيراني ضعيفًا لكنه قائم.
هذا السيناريو يكشف حدود القوة الأمريكية؛ فهي قادرة على إلحاق ضرر كبير، لكنها غير قادرة على فرض تغيير جذري. في الوقت نفسه، تستفيد الصين بهدوء، حيث تعزز موقعها الاقتصادي وتظهر كقوة مستقرة، ما يدفع بعض حلفاء واشنطن إلى تنويع علاقاتهم والاقتراب أكثر من بكين.
أما السيناريو الثاني، فيفترض انتقال الصين إلى دور أكثر نشاطًا في وقت تخفف فيه الولايات المتحدة انخراطها. هنا تستغل بكين الفراغ بسرعة، فتضخ استثمارات كبيرة في إيران، وتمول مشاريع بنية تحتية، وتقدم دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا يعزز من نفوذها الإقليمي. هذا التحول لا يقتصر على إيران فقط، بل يمتد تأثيره إلى دول أخرى في المنطقة، التي تبدأ في إعادة حساباتها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تتعرض التحالفات الأمريكية لضغوط متزايدة، ويزداد توجه الدول نحو “التحوط” بين القوتين، ما يمنح الصين مكسبًا جيوسياسيًا كبيرًا دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
في المقابل، يطرح التقرير سيناريو ثالثًا يقوم على تصعيد أمريكي واسع، حيث تقرر واشنطن الانخراط عسكريًا بشكل مستمر وحاسم، بدعم قوي من حلفائها، مع بقاء الصين في موقف المتفرج. قد يؤدي هذا الخيار إلى إضعاف شديد للنظام الإيراني وربما إحداث تغييرات داخلية في بنية السلطة. لكن هذا المسار يأتي بتكلفة مرتفعة، تشمل خسائر بشرية ومالية كبيرة، وتوترًا مع الحلفاء، فضلًا عن استنزاف طويل يشتت تركيز الولايات المتحدة عن منافستها الاستراتيجية مع الصين في آسيا. وحتى في حال تحقيق “نصر”، فإن هذا النجاح قد يكون محدود القيمة، لأن الصين ستواصل الاستفادة اقتصاديًا من اضطرابات أسواق الطاقة.
أما السيناريو الرابع والأكثر خطورة، فيتمثل في تزامن تصعيد أمريكي قوي مع تدخل صيني نشط. في هذه الحالة، تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوتين العظميين. قد تدعم الصين إيران بوسائل اقتصادية أو سياسية، أو تستخدم نفوذها الدبلوماسي لتعطيل التحركات الأمريكية، ما يؤدي إلى تصاعد التوترات العالمية. هذا الوضع قد يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي واضطرابات اقتصادية متتالية، ويجعل من الشرق الأوسط نقطة اشتعال رئيسية في التنافس بين واشنطن وبكين، بما يشبه لحظة تحول في شكل النظام الدولي.
ويؤكد التقرير أن الحرب مع إيران، بغض النظر عن نتائجها العسكرية، ستسرع من إعادة تشكيل النظام العالمي. فالهيمنة الأمريكية لم تعد كما كانت، والصين تمتلك فرصًا كبيرة لتعزيز نفوذها سواء اختارت الحياد الاقتصادي أو التدخل النشط. ويبرز الدرس الأهم: القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية للحفاظ على النفوذ، بل أصبح النجاح يعتمد على مزيج من الاقتصاد والدبلوماسية والقدرة على تجنب الاستنزاف طويل الأمد. بالنسبة لصناع القرار في واشنطن، يتمثل التحدي الحقيقي في كيفية إدارة هذا التراجع النسبي، بحيث لا يتحول إلى مكسب استراتيجي كامل لصالح بكين.