الأحد 19 أبريل 2026 الموافق 02 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

أسطول البعوض الإيراني.. كيف تحول أسراب الزوارق كابوسا للمدمرات الأمريكية؟

الرئيس نيوز

بعد أسابيع من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي أغرقت معظم السفن الحربية الإيرانية الكبرى، يبدو مضيق هرمز كأنه ساحة معركة غير متكافئة. عشرات الزوارق الصغيرة السريعة تنطلق من كهوف صخرية مخفية، تضرب السفن التجارية ثم تختفي في بضعة ثوان. 

يطلق عليها الإيرانيون اسم أسطول البعوض (Mosquito Fleet)، وهو الاسم الذي أصبح يرعب شركات التأمين البحري ويثير القلق في وزارة الحرب، البنتاجون. رغم إعلان الرئيس دونالد ترامب “تدمير البحرية الإيرانية، إلا أن هذا الأسطول الصغير لا يزال يفرض سيطرة فعلية جزئية على أحد أهم الممرات النفطية في العالم”؛ وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.

ويشكل أسطول البعوض قلب القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني، وهي قوة موازية للبحرية النظامية الإيرانية. تتكون من مئات بل آلاف الزوارق السريعة – بعضها معدل من قوارب ترفيهية – مزودة برشاشات ثقيلة، صواريخ مضادة للسفن قصيرة المدى، وقاذفات قنابل، بل وحتى طائرات مسيرة «كاميكازي». سرعتها تصل إلى 100 عقدة (185 كم/ساعة)، مما يجعلها أسرع بكثير من أي سفينة حربية تقليدية. تخزن في كهوف محصنة على طول الساحل الصخري الإيراني، ويمكن نشرها في دقائق معدودة. هذه الزوارق لا تعتمد على الرادار الضخم أو الإلكترونيات المتقدمة؛ تعتمد على الخفة والمفاجأة والعدد. 

وتعتمد استراتيجية الحرس الثوري على تكتيك السرب (Swarm Tactics): إذ تهاجم مجموعات من 20-50 زورقًا من اتجاهات متعددة في وقت واحد، فتطلق نيرانًا كثيفة ثم تنسحب قبل أن ترد السفن الأمريكية الكبيرة. في المياه الضيقة لمضيق هرمز (عرضه 35-60 ميلًا فقط)، يصبح هذا التكتيك كابوسًا للمدمرات والحاملات الأمريكية. وفي العادة تتعمد الزوارق الاختلاط بين قوارب الصيد المدنية، ويساعد صغر حجمها في أن يجعل كشفها عبر الأقمار الصناعية شبه مستحيل. ويصفها الخبير سعيد غولكار، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تينيسي، بأنها "قوة حرب عصابات بحرية تركز على الحرب غير المتكافئة".

وعلى الرغم من تدمير نحو 158 سفينة حربية إيرانية كبيرة في الضربات الأخيرة، بقي أسطول البعوض سليمًا إلى حد كبير. وأكدت تقارير الوكالة البحرية الدولية أكثر من 20 هجومًا على سفن تجارية منذ بداية التصعيد، مما أدى إلى ارتفاع أسعار التأمين البحري بنسبة 300% وانخفاض مرور النفط إلى أدنى مستوياته. الزوارق تعمل بتنسيق مع ألغام بحرية وطائرات مسيرة وصواريخ ساحلية مخفية، مكونة طبقة دفاعية متعددة تحول المضيق إلى منطقة ممنوعة فعليًا للسفن غير المدعومة، وفقا لموقع نيوز 18.

من جانبها، لا تنكر إدارة ترامب وجود التهديد، لكنها تحاول التقليل من شأنه. في منشور على «تروث سوشيال» يوم 13 أبريل، قال الرئيس إن السفن السريعة الصغيرة لم تستهدف لأنها "ليست تهديدًا كبيرًا"، محذرًا بأن أي اقتراب من الحصار البحري الأمريكي سيؤدي إلى إبادتها فورًا بنفس الطريقة المستخدمة ضد قوارب المخدرات في الكاريبي. لكن الخبراء يختلفون؛ إذ يرجح الأدميرال حاري روجهيد، رئيس العمليات البحرية الأمريكي السابق، أنها "قوة مزعجة دائمًا ما تثير الشكوك حول نواياها"، وفقا لتصريحات نقلتها شبكة فوكس نيوز.

وتطورت هذه الاستراتيجية منذ الثمانينيات، حين أنشأ الحرس الثوري جناحه البحري لمواجهة التفوق الأمريكي في الخليج. اليوم، أصبحت نموذجًا عالميًا للحرب غير المتكافئة: رخيصة التكلفة (زورق واحد يكلف عشرات الآلاف مقابل ملايين لسفينة حربية)، سهلة الإخفاء، وفعالة في المياه الضيقة. حتى الآن، أجبرت البحرية الأمريكية على نشر مروحيات أباتشي وطائرات A-10 وأنظمة مدافع آلية متقدمة لمواجهة الأسراب، لكن المهمة تبقى استنزافية ومكلفة، وفقا لموقع ريسيرش جيت.

وعلى المستوى الاقتصادي، يؤثر أسطول البعوض مباشرة على أسعار النفط العالمية. كل يوم تأخير في مرور 20% من إمدادات النفط العالمية يرفع التكاليف ويهدد الاقتصادات الناشئة. شركات الشحن تتجنب المضيق، والدول الخليجية تطالب بحلول عاجلة. في الوقت نفسه، يرى محللون أن استمرار هذا التهديد يعطي طهران ورقة مساومة قوية في أي مفاوضات مستقبلية.

ويظل أسطول البعوض الإيراني رمزا لتغير قواعد اللعبة في الحروب البحرية الحديثة بالنظر إلى قدرته على إرباك أقوى بحرية في العالم، وتثبت تطورات الأحداث أن التقنية البسيطة والتكتيك الذكي يمكن أن يتحديا الدولارات والتكنولوجيا المتقدمة.