الأربعاء 15 أبريل 2026 الموافق 27 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

أرشيف الإبادة.. قصة الهاتف الذي صمت 3 سنوات بالفاشر ليتكلم في بورتسودان عن جرائم الحرب

الرئيس نيوز

في لحظة بدت أقرب إلى الأساطير في عصر التكنولوجيا المتسارعة الذي نعيش فيه، لم يكن قيام الصحفي والأكاديمي السوداني محمد سليمان بتشغيل هاتفه بعد ثلاث سنوات في بورتسودان إلا إيذانا بطوفان من الرسائل التي انهمرت على شريحة الهاتف التي لم تعمل طوال هذه الفترة، ولحظتها كان عليه التحلي بالشجاعة أمام تجربة نادرة تتمثل في استعادة مفاجئة لذاكرة مثقلة بالدمار والغياب أثناء تواجده ضمن المحاصرين في الفاشر. 

وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية - بي بي سي- تدفقت الرسائل دفعة واحدة، حاملة أخبار وفاة لم تصله قط، وظلت مؤجلة، شاهدة الآن على واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية عنفا في السودان، لتكشف تفاصيل حصار الفاشر وما جرى داخلها بعيدًا عن عدسات العالم. 

الفاشر: مدينة تحت الحصار حيث يتحول الجوع إلى سلاح

داخل الفاشر، لم يكن الموت حدثًا استثنائيًا، بل تحول إلى جزء أصيل من إيقاع يومي يحدد مصير السكان. وساهم الحصار الطويل الذي فرضته قوات الدعم السريع تحويل المدينة إلى مساحة مغلقة تدار فيها الحياة على حافة الفناء. ووصف محمد سليمان المشهد كما لو أنه “يوم القيامة”، حيث لم يعد القصف وحده مصدر الخطر، بل رافقه الجوع، وكلاهما حصد أرواح الآلاف من السودانيين.

وفي الشوارع، تلاشت الحدود بين الحياة والموت؛ فشاهد الصحفي السوداني نساء يتركن أطفالهن على الطرقات لأن أجسادهن المنهكة لم تعد تقوى على حملهم، وجثثا تبقى في أماكنها أيامًا لأن دفنها قد يعني الموت تحت القصف. لم تعد المأساة مجرد أرقام، بل تحولت إلى تفاصيل شخصية قاسية، يعرف فيها الناس أسماء من يموتون أمامهم، دون أن يمتلكوا رفاهية الحزن.

عندما تصبح التكنولوجيا تهمة: ستارلينك بين النجاة والموت

في بيئة انقطعت فيها كل وسائل الاتصال، ظهرت أجهزة الإنترنت الفضائي كطوق نجاة هش. لكن هذا الخيط كان محفوفا بالخطر. استخدام التكنولوجيا لم يكن مجرد وسيلة لنقل الحقيقة، بل مغامرة قد تكلف المرء حياته.

من جهة، كانت قوات الدعم السريع تنظر إلى أي اتصال باعتباره عملا استخباراتيا يستوجب التصفية الفورية. ومن جهة أخرى، تعامل الجيش السوداني مع إشارات البث كإحداثيات محتملة لتوجيه النيران. هكذا وجد الصحفي نفسه محاصرا بين شكوك الطرفين والكثير من المحاذير، حيث يمكن لإشارة هاتف أن تتحول إلى حكم بالإعدام.

في إحدى اللحظات التي تلخص هذا التوتر، يروي سليمان كيف سقطت قذيفة على بعد أمتار منه بينما كان يحمل هاتفًا بلا شبكة، مدركًا أن إصابته لن تعرف، وأن موته قد يمر بصمت كامل.

رحلة الهروب: النجاة من الحرب والسقوط في فراغ الدولة

ويستطرد سليمان قائلا إن الخروج من الفاشر لم يكن نهاية الكابوس، بل بداية فصل جديد من المعاناة. فقد استغرقت رحلته نحو الأمان أسابيع طويلة عبر طرق محفوفة بالمخاطر حتى وصل إلى بورتسودان. لكنه هناك اصطدم بنوع مختلف من العجز تمثل في مواجهة بيروقراطية دولة منهكة.

فقد سليمان وثائقه خلال الحرب، ليجد نفسه مطالبا بإثبات هويته في نظام إداري لا يعترف بظروف الحرب. استمرت معركته لأسابيع، طلب خلالها إحضار شهود وأفراد من عائلته، في وقت كانت فيه البلاد قد فرقت الجميع. هذه المفارقة كشفت فجوة عميقة بين واقع الناجين وآليات الدولة التي يفترض أن تحميهم.

المجتمع الدولي: حضور باهت في مواجهة كارثة متفاقمة

تكشف هذه القصة أيضًا جانبًا آخر من الأزمة وهو الغياب الفعلي للتأثير الدولي. رغم التحذيرات المتكررة، تشير بيانات الأمم المتحدة إلى فجوة تمويل ضخمة في الاستجابة الإنسانية، ما جعل المساعدات عاجزة عن مواكبة حجم الكارثة.

بالنسبة لسليمان، لم تعد الشعارات الدولية ذات معنى. فالمفاهيم الكبرى مثل القانون الدولي أو الحماية الإنسانية بدت، من داخل الفاشر، مجرد نصوص بعيدة لا تنعكس على أرض الواقع. وفي ظل تعثر المبادرات السياسية، بقي المدنيون وحدهم في مواجهة مصيرهم.

ذاكرة مؤجلة وشهادة للتاريخ

اليوم، لا يرى محمد سليمان في نجاته نهاية للقصة، بل بداية لمسؤولية أكبر. الهاتف الذي صمت لسنوات لم يكن غيابًا، بل كان خزينة لذاكرة مثقلة، تختزن تفاصيل لم يرويها أحد بعد.

ووصفت بي بي سي نيوز الرسائل التي انهمرت على هاتف سليمان بأنها بمثابة أرشيف إنساني كامل لمدينة عاشت على حافة الإبادة. وفي عالم تتسارع فيه الأحداث وتنسى المأساة بسرعة، تبدو هذه الشهادة محاولة نادرة لإعادة كتابة ما عاصره الصحفي السوداني من أهوال الحرب.