الإثنين 06 أبريل 2026 الموافق 18 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

فخ هرمز.. لماذا لا تستطيع واشنطن الفرار من أخطر معادلة في الصراع الراهن؟

الرئيس نيوز

لا يزال مضيق هرمز يمثل العقدة الأكثر صعوبة في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتشابك الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة في معادلة يصعب كسرها، فالمضيق شريان حيوي للطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه يتحول فورًا إلى أزمة دولية واسعة.

وفي هذا السياق، جاء تحليل نشره موقع «ذا ناشيونال إنترست» الأمريكي ليؤكد أن واشنطن، رغم قوتها العسكرية، لا تستطيع الإفلات من «فخ هرمز»، حتى عندما تحاول تقليص دورها المباشر.

تحول مفاجئ في خطاب ترامب

في خطاب لافت، أعلن دونالد ترامب أن بلاده باتت «قريبة جدًا» من تحقيق أهدافها في الحرب مع إيران، ملوّحًا بتصعيد عسكري قاسٍ إذا اقتضى الأمر، لكن الأهم لم يكن في نبرة التهديد، بل في التحول الاستراتيجي الذي أعقب ذلك مباشرة، فقد أوضح أن الولايات المتحدة لن تتحمل بعد الآن العبء الرئيسي لإعادة فتح مضيق هرمز، داعيًا أوروبا ودول الخليج إلى تولي هذه المهمة.

يمثل هذا التحول قطيعة واضحة مع عقود من السياسة الأمريكية التي جعلت من واشنطن الضامن الأول لأمن الملاحة في الخليج، وبذلك لم يعد المضيق جزءًا من الالتزام العسكري الأمريكي المباشر، بل تحوّل إلى اختبار لقدرة الحلفاء على إدارة واحدة من أخطر نقاط الاختناق في العالم.

الفخ الهيكلي

رغم هذا الانسحاب النسبي، فإن جوهر الأزمة لم يتغير، فالعلاقات بين واشنطن وطهران لا تزال محكومة بما يُعرف بـ«سلالم التصعيد» و«مصائد المصداقية»، حيث يجد الطرفان نفسيهما مدفوعين نحو خطوات تصعيدية لم يقصداها بالكامل.

وتواصل إيران، عبر الحرس الثوري، فرض حصار فعلي على المضيق، مع احتمالات لفرض رسوم عبور على بعض السفن. 

وفي الوقت ذاته، لا تزال حركة الملاحة أقل بكثير من مستويات ما قبل الأزمة، ما يعكس عمق الاضطراب، هذه الديناميكيات تجعل أي خطأ في الحسابات كفيلًا بإشعال مواجهة أوسع، حتى في ظل غياب نية مباشرة للتصعيد.

الأسواق لا تصدق السياسيين

اقتصاديًا، لم تنجح الرسائل السياسية في تهدئة الأسواق؛ إذ بقيت أسعار النفط مرتفعة، مع تداول خام برنت فوق مستوى 100 دولار، بينما استمرت أسعار الوقود في الضغط على الداخل الأمريكي.

المشكلة الأساسية أن الأسواق لا تتفاعل مع التصريحات بقدر ما تستجيب للوقائع، فشركات التأمين والملاحة لا تزال تُسعّر المخاطر المرتفعة، والتجارة العالمية تتعامل مع المضيق بوصفه منطقة غير مستقرة.

ويبدو أن الثقة التجارية ومعنويات المستثمرين، كما يشير التحليل، لا يمكن استعادتها بقرار سياسي، بل تحتاج إلى ترتيبات أمنية موثوقة وطويلة الأمد—وهو ما لا تستطيع أوروبا أو دول الخليج توفيره بمفردها.

فجوة القوة

على المستوى العسكري، تظل الكفة مائلة لصالح إيران في سياق «الحرب غير المتكافئة»، فطهران تمتلك أدوات فعالة مثل الألغام البحرية، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة، إضافة إلى شبكات الوكلاء في المنطقة، وهذه الأدوات تجعل من الصعب على القوى الأوروبية أو الخليجية تأمين المضيق دون دعم أمريكي مباشر.

وهنا يبرز التناقض، واشنطن تريد تقليص دورها، لكنها تظل الطرف الوحيد القادر فعليًا على ضمان أمن الملاحة، وأي فراغ تتركه قد يتحول بسرعة إلى أزمة أكبر، وربما يجبرها على العودة مجددًا بشروط أسوأ.

بين الاستنزاف والفراغ

تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة استراتيجية حقيقية، فمن ناحية، لم تعد تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، ما يقلل من دوافع التدخل المباشر، لكن من ناحية أخرى لا تستطيع تجاهل التداعيات العالمية لإغلاق المضيق، والتي تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

هذا الوضع يضع واشنطن بين خيارين كلاهما مكلف: إما الانخراط في مواجهة طويلة قد تتحول إلى استنزاف عسكري، أو الانسحاب وترك فراغ استراتيجي قد يعيدها إلى الصراع لاحقًا بشكل أكثر تعقيدًا، وبذلك، يتحول «فخ هرمز» من تهديد عسكري مباشر إلى معضلة جيوسياسية طويلة الأمد.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن مضيق هرمز يظل اختبارًا دائمًا لتوازن القوى العالمي. ويرجّح الموقع الأمريكي أن خطاب ترامب قد يغيّر توزيع الأدوار، لكنه لا يغيّر قواعد اللعبة؛ فالمخاطر البنيوية لا تزال قائمة، والأسواق ما تزال متوترة، والقدرات العسكرية غير متوازنة، كما أنها لم تُفضِ إلى حسم من أي نوع حتى الآن.