الأحد 05 أبريل 2026 الموافق 17 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

حرب إيران.. فشل استخباراتي أم سياسي؟

الرئيس نيوز

كان مستنقع الحرب الدائرة ضد إيران متوقعا، ومع ذلك قرر الرئيس دونالد ترامب خوض الحرب ضد إيران، على أية حال. ووفقا لمجلة ذا أتلانتيك، فإن هذا القرار لم يكن مفاجئا فقط للعالم، بل شكل صدمة للعديد من الخبراء والمستشارين الذين تابعوا الملف عن كثب، إذ أن كل المعطيات المتاحة كانت تشير إلى مخاطر جسيمة مقابل عوائد محدودة للغاية.


وإذا درست لجنة خبراء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي ما حدث قبل الحرب مباشرةً، لربما خلصت إلى نتيجة واضحة: مجتمع الاستخبارات الأمريكي كان دقيقا ومتسقا في تقديراته حول قدرات إيران ونواياها تجاه الولايات المتحدة وحلفائها. وعلى عكس ما روج له الرئيس لتبرير قراره، كشفت البيانات ثلاث حقائق أساسية لا يمكن إنكارها:

 

أولًا، أن النظام الإيراني لم يكن يستعد لاستخدام سلاح نووي في المستقبل القريب. وثانيًا، أنه لا يمتلك صواريخ باليستية تصل إلى الأراضي الأمريكية. وثالثًا، أن أي هجوم أمريكي على إيران من المرجح أن يدفعها للرد على الدول المجاورة في الخليج العربي، وإغلاق مضيق هرمز الحيوي، مما يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية حقيقية. هذه الحقائق كانت متاحة قبل الحرب، وقدمها المحللون للبيت الأبيض، ما يوضح أن الاستخبارات قامت بعملها على أكمل وجه، والفشل الحقيقي كان في القرار السياسي وليس في جمع المعلومات أو تحليلها.


التقارير الرسمية تؤكد المخاطر
أوضحت تقييمات مجلس الاستخبارات الوطنية قبل اندلاع الحرب مباشرةً أن أي تدخل عسكري لن يغير النظام الإيراني، سواء كانت الضربات محدودة أو حملة شاملة. كما أشار التقرير إلى أن إيران تفتقد وجود تحالف داخلي قوي يمكنه الانقضاض على السلطة إذا سقطت القيادة الحالية.
إضافة إلى ذلك، تطرقت تقديرات التهديدات العالمية لعام ٢٠٢٦ إلى مسألة تطوير إيران لصواريخ عابرة للقارات، وأكدت أن أي برنامج محتمل لن يكون جاهزا قبل عام ٢٠٣٥، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع تصريحات ترامب في خطاب حالة الاتحاد، حين زعم أن إيران تطور صواريخ ستصل قريبًا إلى الولايات المتحدة. هذه التقديرات بينت بوضوح أن الإدارة تجاهلت الحقائق العلمية لصالح سرد سياسي يخدم أهدافها الخاصة.

 


استقالات تكشف الحقيقة
لم تكن الأدلة مقتصرة على الوثائق الرسمية فقط. ففي السابع عشر من مارس، أعلن جو كنت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب المعين من قبل ترامب، استقالته المفاجئة، وكتب على منصة التواصل الاجتماعي: "لا أستطيع بضمير مرتاح دعم الحرب الحالية على إيران. إيران لم تشكل تهديدا وشيكا لأمتنا، وقد بدأت الحرب تحت ضغط من إسرائيل وجماعات الضغط الموالية لها."
 

وتمثل هذه الاستقالة أعلى مستوى من المعارضة داخل الإدارة، إذ كان كنت من أشد المؤيدين للسياسات العسكرية لترامب سابقا. وحتى داخل الكونجرس، أيد بعض الديمقراطيين تقييمه، مؤكدين أن الأدلة على تهديد وشيك من إيران لم تكن موجودة، ما يجعل الحرب اختيارية وليست مفروضة بسبب تهديد مباشر.
 

من الاستخبارات إلى القرار السياسي
عندما سئلت مديرة الاستخبارات الوطنية عن وجود تهديد نووي وشيك، قالت إن إيران أبقت على نيتها لإعادة بناء قدراتها النووية، وأكدت أن الرئيس هو الشخص الوحيد القادر على تحديد ما يعد تهديدا وشيكا وما ليس كذلك. هذا الرد يحول المسألة من حكم استخباراتي موضوعي إلى قرار سياسي خالص، ويكشف أن الحرب كانت خيارا سياسيا مبكرًا بغض النظر عن تقديرات الخبراء.
 

الفشل ليس في المعلومات

رجحت المجلة الأمريكية أن المجتمع الاستخباراتي لم يقصر، بل كان دقيقا في كل تقديراته. المشكلة الحقيقية تكمن في تجاهل القيادة السياسية لتلك التحليلات الدقيقة، والانطلاق نحو حرب تفتقر إلى الهدف الواضح. ونتيجة لذلك، تستمر الحرب في اتساعها، ويطلب البنتاغون اعتماد ميزانية إضافية بمئات المليارات، بينما يبقى النظام الإيراني على الأرجح في السلطة، معززا، صامدا، وأكثر تشددا مما كان قبل الحرب.
 

دروس الماضي وحذر المستقبل
يحذر الخبراء من أن إيران قد تتعلم كيفية إخفاء نشاطها النووي مستقبلًا، متخذة أسلوبا مشابها لمسار كوريا الشمالية بعد عام ٢٠٠٩، ما يجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر صعوبة وتعقيدا.
 

وهذا يذكر بالدرس التاريخي من حرب العراق: عام ٢٠٠٣، استخدمت تقديرات استخباراتية خاطئة لتبرير غزو العراق، استنادا إلى ادعاءات عن أسلحة دمار شامل لم يثبت وجودها بعد الاحتلال، وهو ما شكل فشلا استخباراتيا حقيقيا. أما في الحالة الإيرانية، فالفشل هذه المرة من نوع آخر: ليس من لم يعرف، بل من عرف وتجاهل.