الأحد 05 أبريل 2026 الموافق 17 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

من أوسنابروك إلى تل أبيب: القصة الكاملة لصفقة فولكسفاجن الغامضة مع "رافائيل" الإسرائيلية

الرئيس نيوز

من أجل الهروب من الركود بادرت العديد من الشركات بالانضمام إلى "اقتصاد الحرب"، إذ يشهد عام 2026 تحولا هيكليا هو الأعمق في تاريخ الصناعة الأوروبية منذ عقود. فبينما كانت القارة العجوز تفاخر بريادتها في "التحول الأخضر" وصناعة السيارات الفاخرة والمركبات الكهربائية صديقة البيئة، وجدت قلاعها الصناعية العريقة مثل فولكسفاجن وبورش نفسها في مواجهة عاصفة كاملة، تتمثل وفقا لـ- صحيفة فاينانشيال تايمز- في انخفاض حاد في الطلبيات عالميا، ومنافسة صينية عنيدة وكاسحة في قطاع المركبات الكهربائية، وتكاليف طاقة باهظة ناتجة عن التحولات الجيوسياسية. 

وفي ظل هذا الركود الذي يلوح في الأفق، برزت عقود الدفاع كـ"ملاذ آمن" وطوق نجاة أخير. وأصبح من اللافت أن العناوين الصحفية في مارس 2026 لم تعد تتحدث عن "موديلات العام"، بل عن تحويل خطوط الإنتاج التي كانت تصمم لتعزيز رفاهية السيارات في السابق لتلبية احتياجات الميدان العسكري، مدفوعة باستمرار الحرب في أوكرانيا والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.

فولكسفاجن: من "سيارة الشعب" إلى مكونات "القبة الحديدية"

وأحدثت مجموعة فولكسفاجن ضجة كبرى في الأوساط الاقتصادية بعد تقارير "فايننشال تايمز" في مارس 2026، والتي كشفت عن محادثات سرية ومتقدمة مع شركة "رافائيل"  الإسرائيلية لأنظمة الدفاع المتقدمة. المحادثات تهدف إلى تحويل مصنع أوسنابروكالذي اشتهر بإنتاج طرازات "T-Roc Cabriolet" وأيقونات بورش مثل  "Cayman" و"Boxster" إلى مركز لتصنيع مكونات نظام "القبة الحديدية.

وعلى الرغم من تأكيدات الرئيس التنفيذي، أوليفر بلوم، بأن الشركة لن تنتج "صواريخ فتاكة" بشكل مباشر، إلا أن الواقع يشير إلى تحول المصنع لإنتاج الشاحنات الثقيلة، منصات الإطلاق، ومولدات الطاقة الضخمة التي تشغل هذه المنظومات. ويبدو أن هذا التحول ليس خيارا يمكن تجنبه؛ بل هو خطوة اضطرارية لإنقاذ 2300 وظيفة بات شاغلوها مهددين بالتسريح والاستغناء عن خدماتهم بحلول العام 2027، وتخفيف وطأة خطة تقليص 35 ألف وظيفة بحلول 2030 بعد تراجع أرباح عام 2025 بشكل مقلق.

بورش: المراهنة الاستراتيجية على "السيادة التكنولوجية"

لم تكن بورش، الشركة القابضة التي تمتلك حصة الأغلبية في فولكسفاجن وبورش مجرد مراقب من خطوط التماس لهذا التحول، بل نزلت إلى الملعب بثقلها، ففي مارس 2026، أعلنت شركة بورش عن ضخ استثمار استراتيجي بقيمة 100 مليون يورو في صندوق دفاعي جديد، ويرجح أن يركز هذا الاستثمار بشكل مكثف على الشركات الناشئة الأوروبية في مجالات الدفاع السيبراني والذكاء الاصطناعي.

وصرح هانس ديتير بوتش، الرئيس التنفيذي لبورش SE، بأن قطاع الدفاع يحمل "إمكانيات نمو هائلة" قادرة على تعويض خسائر قطاع السيارات المدني الذي شهد انخفاضا في الأرباح بنسبة 9% في العام السابق. بهذا التوجه، تعود بورش عمليا إلى جذورها الهندسية التي ارتبطت تاريخيا بالصناعات الثقيلة والعسكرية، مستفيدة من قفزة الإنفاق الدفاعي الأوروبي التي تجاوزت 300 مليار يورو سنويا، مما يمنحها موطئ قدم في اقتصاد القوة الجديد.

خارطة اللاعبين: تحالف "المعدن والبرمجيات"

وتتسع ظاهرة انضمام الشركات المدنية لاقتصاد الحرب لتشمل نسيج الصناعة الأوروبية بالكامل، حيث تشكلت خارطة جديدة من التحالفات التي تدمج الخبرة الميكانيكية بالمتطلبات العسكرية:

رينميتال (Rheinmetall): عملاق الدفاع الألماني الذي لم يعد يعمل بمعزل عن قطاع السيارات. تقود رينميتال الآن جهود بناء مصانع ذخيرة ومركبات داخل أوكرانيا، وتعتمد بشكل متزايد على خبرات عمال السيارات المسرحين لإعادة تشغيل ماكيناتها الحربية.

شايفلر (Schaeffler) وكونتيننتال (Continental): موردو قطع الغيار الذين واجهوا أزمات خانقة في قطاع المحركات التقليدية، وجدوا مخرجا عبر الشراكة مع شركات تقنية دفاعية مثل "هلسينج" (Helsing). شايفلر، على سبيل المثال، تقوم الآن بتصنيع مكونات دقيقة للطائرات بدون طيار (Drones)، بينما تتعاون كونتيننتال مع رينميتال لإنتاج أنظمة متطورة للمركبات العسكرية المدرعة.

مرسيدس-بنز ومان (MAN): تبرز شركة "مان" (التابعة لفولكسفاجن) عبر مشروع مشترك مع رينميتال لإنتاج المركبات اللوجستية، بينما تواصل مرسيدس توريد شاحنات عسكرية لأوكرانيا في صفقات تقدر بمئات الملايين.

فالمت (Valmet) ورينو: دخلت هذه الشركات أيضا حلبة السباق عبر تحويل خطوط إنتاج كانت معطلة أو تعاني من ضعف الإنتاجية إلى مراكز لصيانة وإنتاج العتاد الدفاعي.

وحتى الشركات المتخصصة في التكنولوجيا الدقيقة مثل "ترومف" (Trumpf)، المورد العالمي لليزر الصناعي، بدأت في إعادة توجيه أبحاثها لتطوير تطبيقات ليزرية دفاعية، مستفيدة من برامج الدعم الأوروبي مثل برنامج (ASAP) المخصص لزيادة وتيرة إنتاج الذخيرة.

هل هناك من ينأى بنفسه؟ معضلة "السمعة" والقيود السياسية

رغم الاندفاع الكبير نحو ميزانيات الدفاع، لا تزال بعض الشركات تتوخى الحذر. فولكسفاجن نفسها تحرص على "تجميل" لغتها الدبلوماسية برفض إنتاج "الأسلحة مباشرة" للحفاظ على صورتها السلمية أمام المستهلك المدني. وبالمثل، تبتعد شركات السيارات الفاخرة والكهربائية (مثل بعض العلامات تحت مظلة ستيلانتيس أو تسلا في أسواق معينة) عن الارتباط العلني بآلة الحرب، مفضلة التركيز على معايير ESG (البيئة والمجتمع والحوكمة) لتجنب حملات المقاطعة الشعبية التي قد تثار ضد "تجار الحروب".

وفي تطور سياسي لافت، أصدر الرئيس الأمريكي ترامب في يناير 2026 أمرا تنفيذيا يفرض قيودا مالية صارمة على شركات الدفاع "غير الملتزمة" بأجندته السياسية، مثل حظر توزيع الأرباح، مما خلق حالة من الارتباك لدى الشركات متعددة الجنسيات التي تحاول الموازنة بين الأسواق الأمريكية والأوروبية. ومع ذلك، يظل الضغط الاقتصادي في أوروبا هو المحرك الأقوى؛ فالشركات التي ترفض التحول الدفاعي اليوم تخاطر بإغلاق مصانعها نهائيا.

لماذا الآن؟ السياق الجيوسياسي والاقتصادي

إن ما يحدث في 2026 هو التقاء نادر لظروف قاهرة، فعسكريا: الحرب الروسية الأوكرانية والاضطرابات في الشرق الأوسط خلقت حاجة غير مسبوقة لاستدامة التسلح. واقتصاديا: الركود في مبيعات السيارات التقليدية وارتفاع تكاليف التحول نحو الكهرباء وضع الشركات أمام خيارين: الإفلاس أو العسكرة. تحويل المصانع يوفر للدول الأوروبية وسيلة سريعة لزيادة القدرة الدفاعية دون الحاجة لبناء منشآت جديدة من الصفر، بينما يوفر للشركات تدفقات مالية مستقرة من عقود حكومية مضمونة تقدر بـ 50-80 مليار يورو في العقد القادم.

وفي عام 2026، سقطت الأوهام حول إمكانية فصل الاقتصاد المدني عن الأمن القومي. وأصبح قطاع الدفاع هو القاطرة و"المنقذ" الفعلي لصناعة السيارات المتعثرة في أوروبا. إن التحالف بين أسماء مثل بورش ورينميتال وفولكسفاجن يرسم ملامح عصر جديد؛ عصر لم تعد فيه السيارة مجرد وسيلة نقل، بل منصة محتملة للتقنيات العسكرية.

لكن الواقع الحالي يفرض حقيقة واحدة مؤداها أنه في عالم 2026 المضطرب، لم يعد هناك مكان للتردد؛ فإما التحول إلى صناعات الدفاع أو مواجهة شبح الاندثار الصناعي، ويتوقع المراقبون أن الشركات التي قفزت إلى هذه اللعبة مبكرا ستكسب الرهان الاقتصادي، بينما قد تجد الشركات التي قررت الابتعاد عن مضمار الحروب نفسها وحيدة في مواجهة ركود لن يرحم.