الإثنين 06 أبريل 2026 الموافق 18 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تحقيقات وحوارات

البرلماني السابق أحمد السجيني: مواقفي في الإيجار القديم لم تُرضِ الجميع وقانون الإدارة المحلية حلم لم يكتمل.. ونجاح "الجبهة الوطنية" مرهون ببناء كوادر لا بالأسماء الكبيرة (حوار)

الرئيس نيوز

البرلماني السابق أحمد السجيني في حواره لـ"الرئيس نيوز":

استقالتي من حزب مستقبل وطن في 21 فبراير 2026 كانت خطوة مدروسة

علمت بقرار عدم ترشحي للانتخابات من وسائل الإعلام وليس من داخل الحزب

أتحرك حاليًا بشكل مستقل متجردًا من أي التزام حزبي

التأييد بلا وعي يفقد المصداقية والمعارضة بلا حلول لا تخدم المجتمع

مواقفي في الإيجار القديم لم تُرضِ الجميع وقانون الإدارة المحلية حلم لم يكتمل

الدستور يتيح إجراء انتخابات المحليات دون تعديل

الأحزاب لا تُبنى بين ليلة وضحاها وتوقيت تأسيس حزب الجبهة كان يحتاج مراجعة

نجاح "الجبهة الوطنية" مرهون ببناء كوادر لا بالأسماء الكبيرة

نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة حقيقية لدور الأحزاب في مصر وإلى إصلاحات داخلية في معظمها

لن نصل إلى نضج سياسي حقيقي إلا بوجود أحزاب قوية

التكامل بين أدوار الأحزاب المختلفة يساهم في تعزيز التماسك المجتمعي

الأحزاب القوية هي التي لديها كوادر تكنقراطية وتنظيم

أتمنى أن يقود الوفد ائتلاف المعارضة.. وتلقيت دعوة من السيد البدوي للعودة إلى بيت الأمة

الانتقال من العمل التنفيذي إلى الرقابي ليس سهلًا ويتطلب إرادة وفهمًا عميقًا للدور

أتمنى أن يكون في مصر نحو 8 أحزاب رئيسية فقط تكون ركائز أساسية للحياة السياسية

يجب إعادة هيكلة العديد من الهيئات المدنية وعلى رأسها "الطرق والكباري" التي تمثل عبئًا على الموازنة العامة

على مدار عشر سنوات كاملة، ظل اسم أحمد السجيني حاضرًا بقوة تحت قبة البرلمان، ليس فقط بصفته رئيسًا للجنة الإدارة المحلية، بل كنموذجٍ للنائب الدؤوب الذي لا يهدأ. بين جلسات مطولة، وملفات شائكة، ومطالب جماهيرية لا تنتهي، نسج علاقة خاصة مع الجميع؛ معارضةً وموالاة، احترامًا قبل أن يكون اتفاقًا، وتقديرًا يتجاوز حدود الانتماءات السياسية.

لم يكن حضوره عابرًا، بل تراكمت عبر السنوات صورة نائبٍ يعمل بصمت وإصرار، يشتبك مع التفاصيل، ويغوص في تعقيدات المحليات، محاولًا أن يخلق توازنًا بين النصوص القانونية واحتياجات الشارع. لذلك، لم يكن غريبًا أن يحظى بهذا القدر من القبول، لكن المفاجأة جاءت من حيث لم يتوقعها كثيرون؛ حين خرج من سباق الترشح في الانتخابات الأخيرة، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة، خاصة لدى من اعتادوا رؤيته لاعبًا أساسيًا في هذا الملف.

ما بين دهشة الغياب، وحصيلة سنوات من العمل البرلماني، يخرج السياسي البارز أحمد السجيني اليوم عن صمته في أول حوار له لـ "الرئيس نيوز" منذ الانتخابات الأخيرة، ليتحدث ليس فقط عن السياسة، بل عن التجربة بكل ما حملته من نجاحات وتحديات، وعن كواليس لم تكشف من قبل، ورؤية ربما تختلف عما يتوقعه البعض.

في البداية.. أين أحمد السجينى الآن وماذا يفعل بعد الابتعاد عن العمل النيابي؟

أنا حاليًا أحاول استعادة نشاطي الخاص بعد فترة طويلة من الانشغال بالعمل العام. ابتعدت عن إدارة أعمالي الاقتصادية لنحو 14 عامًا، منها 10 سنوات كرئيس للجنة الإدارة المحلية، وهو ما استهلك كل وقتي وجهدي. الآن أعمل على إعادة التواصل مع زملائي في العمل، وأتنقل بين مكتبي ومزرعتي، حيث أتابع بعض المشروعات الإنتاجية التي أحرص على الإشراف عليها. كما أتابع الشأن العام ولكن من منظور أكثر استقلالية، دون الأعباء والمسؤوليات الرسمية.

ماذا عن علاقتك بحزب مستقبل وطن في الوقت الحالي؟ هل ما زلت منتميًا له؟

لا، تقدمت باستقالتي رسميًا من حزب مستقبل وطن في 21 فبراير 2026، وأرسلتها إلى المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، رئيس الحزب، وكذلك إلى قياداته، وأخطرت لجنة شؤون الأحزاب. ولم أعلنها إعلاميًا في حينه، لكنها كانت خطوة مدروسة.

ولماذا لم تعلن الاستقالة في وقتها؟

تقديرًا لزملائي في الحزب، وحرصًا على أن تخرج الاستقالة في إطار من الاحترام والتقدير، خاصة أنها خلت من أي انتقادات، وتضمنت فقط تمنياتي بالتوفيق للقيادات الحالية.

ما الأسباب الحقيقية وراء الاستقالة؟ وهل لها علاقة بعدم ترشحك في الانتخابات الأخيرة؟

الاستقالة لها عدة أسباب. أولها رغبتي في الاكتفاء بهذه المرحلة من العمل الحزبي، لأن الانتماء الحزبي يفرض التزامات يجب احترامها. ثانيًا، احتجت إلى قدر من الراحة بعد سنوات طويلة من العمل المكثف. وثالثًا، وجود أجيال ووجوه جديدة داخل الحزب والبرلمان، رأيت أنه من المناسب إتاحة الفرصة لها دون تزاحم.

هل اختيار توقيت الاستقالة في فبراير كان مقصودًا؟

التوقيت كان اختياره مضبوط وسبب اختيار هذا التوقيت تحديدا هو الانتهاء من كافة الاستحقاقات الدستورية والانتخابات البرلمانية وهذا استحقاق كبير جدا فأنا أريد ألا يحدث بلبلة وأعتبر نفسي أحد الكوادر والقيادات في حزب مستقبل وطن وعملت أمين عام الائتلاف لمدة عامين وكان حزب مستقبل وطن ضمن الأحزاب المشكلة للائتلاف من 2018 حتى 2020 ثم انتهى الائتلاف بنهاية الفصل التشريعي الأول لنبدأ حقبة جديدة في الفصل التشريعي الثاني وفي هذه الحقبة كان يمثل الأغلبية النيابية في البرلمان بغرفتيه وكنت فيها رئيسا للغرفة المحلية وعضو هيئة عليا والأمين المركزي للمجالس المحلية على مستوى الجمهورية وبالتبعية رأيت أنه لو كنت تقدمت باستقالتي في توقيت الانتخابات فهذا ليس من طبعي لذا اخترت التوقيت بعد أداء النواب لليمين والتشكيل والانتهاء من انتخابات رئاسة اللجان.

بعد 10 سنوات على رأس لجنة الإدارة المحلية، كيف استقبلت قرار عدم ترشيحك على قوائم الحزب في الانتخابات الأخيرة؟

التغيير سنة الحياة، ولو استمرت الأمور كما هي لما وصلت الفرصة إليّ من قبل. لذلك لم يكن عدم الترشح في حد ذاته مفاجئًا، بل على العكس، ربما كان فيه تخفيف للأعباء. لكن المفاجأة الوحيدة كانت أنني علمت بقرار عدم ترشحي للانتخابات من وسائل الإعلام وليس من داخل الحزب.

ولماذا لم تترشح كمستقل؟

لم أفكر في ذلك. أنا خضت التجربة البرلمانية مرتين بنجاح من خلال القوائم، وحققت ما كنت أطمح إليه في خدمة بلدي. شعرت أن هذا القدر كافٍ، ولم تكن لدي رغبة في خوض الانتخابات بشكل فردي في هذه المرحلة.

هل عدم ترشيحك في قائمة حزب مستقبل وطن كان قرارا سياسيا أم تصفية حسابات داخلية؟

قولا واحدًا لا يوجد بيني وبين أي زميل في الحزب أو البرلمان أو حتى الحكومة نوع من أنواع الخلاف الشخصي قد يكون هناك اختلافات في بعض وجهات النظر السياسية في ملف من الملفات لكن العلاقة الشخصية بيني وبين الجميع علاقة تجاوزت العلاقات المهنية وامتدت إلى علاقات ود ومحبة وتقدير متبادل فالعلاقة كانت طيبة إلا إذا كان هناك نفوس مريضة، لكن ما هو ظاهر أمامي أن علاقاتي بجميع الزملاء والقيادات جيدة جدا، فعندما كنت انتقد محافظ ما أو رئيس هيئة ما أو وزير أو ايا كان، فكان الانتقاد قد يكون فيه قدر من الصفات الرقابية التي يجب أن يتمتع بها رئيس اللجنة في برلمان مصر وأنا مؤمن بهذا الأمر جدا بأن هيبة البرلمان يجب أن تكون قائمة على معلومات موثوق فيها ورؤى مدروسة وسياسات ودراسات مقارنة مطبقة ولا أتحدث إلا من خلال أرقام ووقائع وهنا كان النقد يجب أن يكون مدروس جيدا وبالتبعية عندما يكون هناك نقد كانوا يعلمون أنني أتحدث للمصلحة العامة الوطنية ولذلك علاقاتنا طيبة جدا والكثير من وزراء التنمية المحلية عملوا معي بخلاف المحافظين وغيرهم أما التصفية السياسية أعتقد أنها قد تكون لأسباب سياسية في بعض الملفات.

البعض يرى أن الأداء البرلماني القوي قد يكون سببًا في عدم ترشيحك.. هل دفعت ثمن مواقفك؟

لا أعلم الأسباب الحقيقية لعدم ترشحي، لكن ما أعلمه أنني كنت أعمل وفق قناعة ومنهج واضح. كنت أؤمن بأن العمل البرلماني يجب أن يقوم على المعلومات الدقيقة والدراسات، سواء في التأييد أو المعارضة. التأييد بلا وعي يفقد المصداقية، والمعارضة بلا حلول لا تخدم المجتمع.

هل تعتقد أن طريقة إدارتك في البرلمان كانت سببًا في إبعادك؟

لا أعتقد ذلك. استمرارى 10 سنوات في رئاسة اللجنة لم يكن ليحدث دون دعم الدولة والبرلمان. بل على العكس، كنت أجد تقديرًا من مختلف الجهات، لأن النقد كان دائمًا مبنيًا على معلومات وهدفه الإصلاح.

هل كانت هناك ملفات بعينها سببًا في خلافات أو مواقف مؤثرة؟

لا توجد خلافات شخصية مع أحد، لكن قد تكون هناك اختلافات في وجهات النظر، وهذا أمر طبيعي. ربما من أبرز الملفات التي كان لي فيها موقف واضح هو ملف الإيجار القديم.

وما طبيعة موقفك من هذا الملف؟

كنت ومازلت اعتقد أن القانون في نسخته الأولى التي جاءت إلينا كان بها عدم توازن تجاه المستأجر وكنت أرى أن الملاك يجب أن يحصلوا على حقوقهم ودافعت عن الملاك كثيرا ولكن طريقة معالجة الأمر بطرد المستأجر بعد 5 أعوام من وحدته السكنية هذا الأمر من حيث البعد الاجتماعي والإنساني ورؤيتي في الاستقرار والسلم المجتمعي تجاهه اختلفت فيها اختلاف كبير جدا، وشاركت في هذا الاختلاف بتقديم أفكار بديلة فتم تغييره من 5 إلى 7 سنوات كنت أيضا متحفظا على 7 أعوام وكنت أرى أن المالك يجب أن يسترد حقه في التجاري والإداري لأن ليس لهم علاقة بالسلم المجتمعي ومسألة الطرد وتحرير العلاقة في التجاري والإداري واردة لأن لها بدائل وفقا لآليات العرض والطلب أو برفع القيمة الإيجارية أما السكن لا فالسكن خط أحمر من ناحية البعد الاجتماعي وضغطت في هذه المسألة ولم أتردد في النشاط الإعلاني رغم عدم إرضاء الجميع ولكن خضت هذه التجربة بقناعة وضمير وهذا من الممكن أن يكون الملف الوحيد لي والذي أوضح لي العديد من المحبين لي من زملائي وفي البرلمان أو حتى زملائي في الحكومة من وزراء على المستوى الشخصي كانوا يقولون لي ابتعد لا داعي لذلك والحزب لم يصدر قرار ولم يتبنِ طرح معين لأنه حزب سياسي يسعى للشعبية لكن في النهاية والتصويت ككل له وهذا التصويت له قصة كبيرة لكن نتج عن المسار الذي سرت فيه أنه جاء ممثل الحكومة في الجلسة الأخيرة وتقدم بما كنت أقترحه وهو الاقتراح الذي نشرته الصحافة بعنوان حل بديل من السجيني وهذا الاقتراح كان منقسم إلى قسمين الحكومة أخذت بقسم واحد منه وتركت الثاني وهذا في حد ذاته نقطة إيجابية وشعرت وقتها أنني أديت المهمة وكان اقتراحي ألا يخرج أحد من بيته إلا عندما يكون هناك بديل.

هل كان هناك ملف مهم كان المفترض أن تنتهي منه ولم تنته؟

طبعا الملف الوحيد الذي كنت أتمنى أن أنتهي منه هو إصدار قانون الإدارة المحلية الجديد لأن لم ولن تحدث جلسات لمناقشة قانون الإدارة المحلية كما حدثت في لجنة الإدارة المحلية خلال الفصل التشريعي الأول فهذا المجهود لم يكن لأحمد السجيني وحده، ولكن لهيئة مكتبه وأعضاء اللجنة وهذا الملف أُيد بـ 74 جلسة استماع ومناقشة من 2015 إلى 2020 وكلها جلسات رسمية تحت القبة وتحت اللجنة ومعلنة ولا يوجد فيها جلسة واحدة سرية أو مغلقة وعندما طرح المشروع في 2020 والقوى السياسية أرتأت إرجاؤه، تم إعلان مبادرة من رئيس الجمهورية بإعادة الحوار مرة أخرى تحت مظلة ائتلاف دعم مصر الذي كنت أتولى فيه منصب الأمين العام له وعقدت مع رئيس الائتلاف الدكتور عبد الهادي القصبي 6 اجتماعات أخرى بمقر الائتلاف ليصبح الناتج 80 جلسة متوسطها تحت قبة البرلمان من 4 إلى 5 ساعات لذلك من الصعب القيام بهذا المجهود مرة أخرى.

كيف ترى تجربتك البرلمانية؟

كانت تجربة ثرية ومليئة بالتحديات، بذلت فيها كل ما أستطيع من جهد وعلم. وأعتقد أن الأهم هو أن الإنسان يؤدي دوره بضمير، ثم يترك المساحة لغيره لاستكمال المسيرة.

ما ملامح محطتك السياسية القادمة؟

في المرحلة الحالية، أرى أن المحطة السياسية المقبلة بالنسبة لي تقوم على العمل بشكل مستقل في الفكر والرؤية، من المبكر الحديث عن نشاط سياسي منظم، خاصة أن مجلس النواب والحكومة أدّيا اليمين منذ فترة قصيرة، وبالتالي لا مجال الآن سوى لتقديم الرأي والنصيحة، ما أستطيع تأكيده أنني أتحرك حاليًا بشكل مستقل، متجردًا من أي التزام حزبي.

هل يمكن أن تعود مجددًا إلى حزب الوفد؟ وهل تواصل معك الدكتور السيد البدوي؟

بداية، أوجه التهنئة للدكتور السيد البدوي بمناسبة توليه رئاسة حزب الوفد مرة أخرى، وهو شخصية أكن لها كل التقدير والاحترام. المهمة ليست سهلة وتحتاج إلى جهد كبير، وأتمنى أن يلتف حوله أبناء الحزب لدعمه.

وبالفعل، حدث تواصل بيني وبينه، حيث بادرت بتهنئته، ثم تلقيت منه دعوة كريمة للعودة إلى الحزب. أقدر هذه الدعوة كثيرًا، فهي تعكس أخلاقه الرفيعة والعلاقة الطيبة التي تجمعنا. لكنني أوضحت له وجهة نظري، وهي أن المرحلة المقبلة أفضّل فيها العمل بشكل مستقل، بعيدًا عن الانتماءات الحزبية. ورغم اختلافنا في هذا الرأي، فإن العلاقة بيننا قائمة على الاحترام المتبادل.

هل تلقيت عروضًا من أحزاب أخرى للانضمام إليها؟

بالفعل، كانت هناك إشارات ودعوات من أكثر من حزب، لكنني أفضّل عدم الخوض في التفاصيل. أكتفي بالقول إنني أعتز بعلاقاتي الطيبة مع مختلف القيادات الحزبية، سواء في أحزاب الموالاة أو المعارضة، وهي علاقات ممتدة منذ فترة عملي كأمين عام للائتلاف، حيث تعاملت مع طيف واسع من الأحزاب، وعلاقتي مع كافة رؤساء الأحزاب سواء معارضة أو مولاة جيدة جدا.

كيف ترى المشهد الحزبي في مصر حاليًا؟

بصراحة، نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة حقيقية لدور الأحزاب في مصر، وإلى إصلاحات داخلية في معظمها. كما أن ما يمكن تسميته بـ"الهندسة الحزبية" الحالية، بين أحزاب موالاة وأحزاب معارضة، يحتاج إلى مراجعة. الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى نضج سياسي حقيقي، ولن يتحقق ذلك إلا بوجود أحزاب قوية.

والحزب القوي هنا ليس بعدد المقاعد فقط، بل بتوافر أربعة عناصر أساسية: تنظيم حقيقي على الأرض، لجان نوعية تفرز كوادر متخصصة، خطاب سياسي واضح يجذب الأعضاء، وملاءة مالية تتناسب مع حجم نشاطه وقدراته التنظيمية. هذه العناصر مجتمعة هي التي تصنع حزبًا قادرًا على التأثير.

لكن تقديم الخدمات للمواطنين دور أصيل للجمعيات الخيرية وليس الأحزاب.. فما رأيك؟

كل دولة ولها ظروفها الخاصة، نحن خرجنا من فترة أمتدت لأكثر من 40 عاما تغلغلت فيها جمعية الإخوان الإرهابية في بيوت المصريين، وبالتالي في ظل الظروف المصرية، لا مانع من أن تلعب الأحزاب دورًا خدميًا، لكن ليس بالضرورة عبر الإنفاق المالي المباشر فقط. يمكن تقديم خدمات نوعية، مثل محو الأمية أو التوعية، وهو ما يحقق تأثيرًا حقيقيًا ومستدامًا. التكامل بين أدوار الأحزاب المختلفة يساهم في تعزيز التماسك المجتمعي، لأن الدولة المتماسكة هي التي يعمل جميع مواطنيها كالمكنة.

ما تقييمك لتأسيس حزب “الجبهة” في هذا التوقيت وتحديدا قبل الانتخابات بأسابيع قليلة؟

فكرة وجزد حزب الجبهة أو غيره لابد أن تكون مرتبطة برؤية صناع القرار في مصر حول مسئوليتهم التاريخية لبناء أحزاب قوية قادرة على أن تكون صوتا منيعا ضد الأفكار الفاسدة والمؤامرات التي تتعرض لها الدولة من وقت لأخر، السد المنيع على المستوى الشعبي هي أن يكون هناك أحزابا قوية واعية، قادرة على الحشد والفهم، وأنا أرى أن توقيت تأسيس الحزب، بصورته التي ظهر بها، كان يحتاج إلى مراجعة. الرسالة التي وصلت للمواطن أن هناك حزبًا قريبًا من السلطة يضم وزراء وشخصيات تنفيذية بارزة، وهو ما أثار بعض التحفظات. لكن في النهاية، ما حدث قد حدث، والأهم الآن هو أن يعمل الحزب على بناء تنظيم حقيقي وقواعد على الأرض، لأن الحزب بدون تنظيم يعني تعيين، لأن الأحزاب القوية هي التي لديها كوادر تكنقراطية وتنظيم، والتنظيم هنا يعني وحدات حزبية وشياخات في جميع انحاء الجمهورية، النجاح يتطلب بناء تنظيم قوي يبدأ من القواعد، وصولًا إلى القيادات. هذا الأمر لا يتحقق بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى وقت وجهد. الهدف النهائي لأي حزب هو تحقيق تمثيل نيابي مؤثر، وربما المشاركة في تشكيل الحكومة أو الدفع بمرشح رئاسي.

ما رأيك في تولي وزراء سابقين رئاسة لجان برلمانية مرتبطة بتخصصاتهم؟

الأمر يعتمد على الشخص نفسه، وتعامله مع نفسه، إذا تعامل الوزير السابق بعقلية تنفيذية فقط ينفذ تعليمات الحكومة ويمرر التشريعات، فسيفشل في العمل البرلماني. أما إذا أدرك أن دوره الجديد رقابي وتشريعي، ويقتضي المناقشة والتعديل لا مجرد تمرير القوانين، فسيكون ناجحًا. الانتقال من العمل التنفيذي إلى الرقابي ليس سهلًا، ويتطلب إرادة وفهمًا عميقًا للدور.

هل يمكن الحكم الآن على أداء البرلمان الحالي؟

من المبكر جدًا إصدار أحكام، فالوقت لا يزال قصيرًا. لكنني على ثقة أن الزملاء سيبذلون جهدهم، ومعظمهم شخصيات محترمة ولديهم خبرات جيدة. وبالمناسبة، فإن علاقتي باللواء محمود شعراوي، صديقنا العزيز، علاقة طيبة جدًا. وقد ذهبت إلى مجلس نواب العاصمة الإدارية قبل إعلان النتيجة مباشرة، فور علمي بعدم وجودي، بهدف تجهيز الملفات وإعداد خطة عمل للجنة. وبالفعل عقدت ثلاثة اجتماعات على فترات متباعدة، وقمت بما يلزم، ونحن على تواصل جيد. والرجل، إذا احتاج إلى أي شيء، فلن أتأخر عنه أبدًا، وأنا تحت أمره وأمر اللجنة في أي وقت. 

من وجهة نظرك، من يقود المعارضة حاليًا؟

أتمنى في التشكيل الحالي، ومن خلال ما تابعته من الأحزاب والكوادر التي تقدمت، أن يكون هناك ائتلاف للمعارضة. هذا الائتلاف ينبغي أن يكون له رئيس من حزب الوفد، رغم علمي بأن تمثيله العددي أقل من بعض الأحزاب الأخرى، إلا أن الوفد يظل أقدم أحزاب المنطقة التي نعيش فيها، وليس في مصر فقط، بل هو ثاني أقدم حزب في العالم، وهذا للتاريخ. لذلك يُعد “بيت الأمة”.

وبالتالي، إذا تم تشكيل ائتلاف للمعارضة، فيجب أن يكون الوفد حاضرًا فيه بقوة، برؤية واضحة، وبملفات مدروسة، وبفريق من التكنوقراط في مختلف التخصصات. كما ينبغي أن تُمارس المعارضة من خلال مدرسة تقوم على مبدأ: أعارض وأقدم حلولًا. وإن لم أتمكن من تقديم حلول، فعلى الأقل يجب أن تقوم المعارضة على بيانات حقيقية وجهد فعلي، لا على مجرد شعارات رنانة.

ماذا تحتاج مصر لتطوير الحياة الحزبية؟ وهل الديمقراطية على شاكلة نظم الدولة الغربية يمكن تطبيقها وممارستها فى دولة بظروف مصر؟

في تقديري، لا يمكن الحكم على تطور الحياة الحزبية دون التوقف عند مسألة الديمقراطية، باعتبارها نقطة فاصلة وأساسية. لكن يجب أن أوضح أن تطبيق نماذج الديمقراطية السائدة في الدول الأوروبية وبلاد الغرب بشكل عام، أرى أنه لا يصلح في مصر بشكل كامل، وذلك لسببين رئيسيين:

السبب الأول يتعلق بمدى جاهزية الأحزاب، وهو ما أشرت إليه سابقًا في مسألة تطوير الحياة الحزبية، التي تتم من خلال مسارين: مسار خارجي عبر التفاعل والممارسة مع الآخرين، ومسار داخلي من خلال بناء الكوادر والتفاعل مع الأعضاء، وامتلاك برامج حقيقية يتم العمل عليها.

أما السبب الثاني فيتعلق بمستوى التعليم والثقافة والوعي داخل المجتمع. فطالما أننا نواجه تحديات تبدأ من الأمية، مرورًا بظاهرة التسرب من التعليم الأساسي، وصولًا إلى تخريج مؤهلات عليا لا يتطلبها سوق العمل، فإن ذلك ينعكس سلبًا على الحالة النفسية للشباب، نتيجة غياب فرص العمل المناسبة، وهو ما يؤثر على المنظومة بالكامل. وبالتالي، لا يمكن الحديث عن تطبيق نموذج ديمقراطي متكامل قبل معالجة هذه التحديات.

هناك أيضًا إشكالية أخرى تتعلق ببعض المفاهيم المغلوطة المرتبطة بالدين، سواء الإسلامي أو المسيحي، حيث شهدت مصر تجارب متعددة لاستدعاء الدين في العمل السياسي؛ بدءًا من جماعات مثل الإخوان، مرورًا بالتيارات السلفية، وصولًا إلى التيارات الجهادية، وكل منها يدّعي احتكار الحديث باسم الدين. هذه الحالة من الارتباك، في ظل غياب وعي كافٍ وحصانة مجتمعية، تجعل من الصعب استنساخ النموذج الغربي للديمقراطية دون مراعاة خصوصية الواقع المصري. ومن ثم فإن ذلك يؤثر على الوعي العام ويجعل تطبيق النموذج الغربي أمرًا صعبًا دون تدرج.

ما المطلوب من الأحزاب؟

أولًا، يجب التفرقة بين المال السياسي الفاسد والمال المشروع اللازم لعمل الأحزاب. فالأحزاب تحتاج إلى تمويل لكي تقوم بدورها، لكن هذا التمويل يجب أن يكون منضبطًا وفق قواعد ومعايير واضحة، حتى لا يتحول إلى وسيلة للرشاوى الانتخابية أو شراء الأصوات، وهو المشهد الذي نراه أحيانًا ويجب ضبطه بشكل حاسم.

ثانيًا، بناء الأحزاب يجب أن يكون عملية تراكمية ومستدامة، فلا يمكن تأسيس حزب قوي بين ليلة وضحاها. وحتى إذا نشأ حزب سريعًا، كما حدث في بعض التجارب مثل حزب الجبهة، فإن المسؤولية تقع على قياداته لبناء كوادر تنظيمية متدرجة، وهيكل قوي يمتد عبر الزمن.

كما أنه لا يجوز أن تبدأ الأحزاب من الصفر مع كل دورة سياسية جديدة، لأن ذلك يمنع تكوين جذور حقيقية. يجب أن تكون الأحزاب قائمة بذاتها، بغض النظر عن وجود أعضائها في البرلمان أو الحكومة.

ثالثًا، يجب ترسيخ الديمقراطية داخل الأحزاب نفسها، من خلال تداول السلطة، وإجراء انتخابات داخلية بشفافية، بما يضمن ضخ دماء جديدة واستمرارية الكيان الحزبي. وهذا ما نراه في أحزاب عريقة في دول مثل إنجلترا وفرنسا، التي تستمر لعقود رغم الأزمات.

أتمنى أن يكون في مصر نحو 8 أحزاب رئيسية فقط، يتم التركيز عليها ودعمها لتكون ركائز أساسية للحياة السياسية،4 أحزاب تمثل الموالاة، مثل: مستقبل وطن، الجبهة، حماة وطن، الشعب الجمهوري، و4 أحزاب تمثل المعارضة، مثل: الوفد، المصري الديمقراطي، التجمع، العدل. 

هذا الطرح ليس إقصاءً لباقي الأحزاب، لكنه دعوة للتركيز على كيانات قادرة على الاستمرار والنمو. ويجب أن تعمل الدولة بمؤسساتها، سواء الإعلام أو الحكومة، على منح هذه الأحزاب المساحة اللازمة لبناء نفسها.

يبقى التمويل هو العنصر الحاسم في نجاح أي خطة إصلاح حزبي. لكن هذا التمويل يجب أن يخضع لضوابط واضحة، حتى لا يُستخدم كذريعة للتشكيك في نزاهة الأحزاب أو النواب. لذلك، نحن بحاجة إلى حوار جاد، وربما تعديلات تشريعية، لتنظيم تمويل الأحزاب والرقابة عليه بشكل شفاف. 

هل يتطلب إصدار قانون الإدارة المحلية إجراء تعديلات دستورية، أم أن النصوص الدستورية الحالية تتيح تطبيقه دون الحاجة إلى تعديل؟

قبل الحديث عن التعديلات، يجب تحديد الهدف منها. على سبيل المثال، فيما يتعلق بقانون الإدارة المحلية، يمكن إجراء الانتخابات وفق الدستور الحالي بنظام مختلط إذا توافقت القوى السياسية. وبالتالي، لا حاجة للتعديل الدستوري في هذه الحالة، إلا إذا كان هناك توجه لتغيير النسب المحددة، وهنا فقط قد يصبح التعديل ضروريًا، خاصة وأن المخرجات التي انتهت إليها لجنة الإدارة المحلية، وكذلك مخرجات الحوار الوطني، تؤكد إمكانية إجراء انتخابات المحليات بالنظام المختلط (75% قائمة مغلقة و25% فردي أو قائمة نسبية) في ظل الدستور الحالي، دون الحاجة لتعديلات دستورية. أما إذا كان هناك توجه لتغيير هذا النظام بالكامل، فحينها فقط قد نحتاج إلى تعديل دستوري. لكن في ظل التوافق الحالي، يمكن المضي قدمًا دون تعديل.

 من واقع خبرتك، ما أبرز المؤسسات التي تمثل نموذجًا يُحتذى به في مصر؟

تضم مصر مؤسسات قوية تمثل دعائم أساسية للدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، التي تتميز بالانضباط والكفاءة وروح التضحية. وقد لمست ذلك خلال التعاون مع وزارة الدفاع، خاصة في دعم بعض المشروعات المدنية.

لكن في المقابل، يجب إعادة هيكلة العديد من الهيئات المدنية التي تمثل عبئًا على الموازنة العامة، مثل هيئات الطرق والكباري، والنظافة، والنقل العام، والتي تحتاج إلى تطوير جذري في الأداء.

وختاما.. كيف ترى نشاط جهاز مستقبل مصر بعد الحملة التعريفية التى أطلقها خلال الفترة الماضية؟

أُحيّي القائمين على جهاز "مستقبل مصر"، وأرى أنه تجربة واعدة، لكن لدي ملاحظتان أساسيتان، ضرورة إصدار تشريع ينظم عمل الجهاز، لضمان استدامته وعدم ارتباطه بالأشخاص.

والتركيز في المرحلة الحالية على النشاط الزراعي فقط، وعدم التوسع في مجالات أخرى مثل العقارات أو الصناعات غير المرتبطة به، حتى يتم تثبيت النجاح في هذا القطاع الحيوي.