الجنيه يواجه ضغوطا تحت وطأة التطورات الجيوسياسية وانخفاض شهية المخاطرة لدى المستثمرين الدوليين
يتعرض الجنيه المصري لضغوط متزايدة في ظل بيئة دولية مضطربة، رغم أن مصر ليست طرفا مباشرا في التصعيد العسكري الأخير بالمنطقة. فقد كان من بين أكثر عملات الأسواق الناشئة تضررا منذ اندلاع التوترات، حيث تراجع من نحو 47.7 جنيها مقابل الدولار إلى قرابة 52.6 جنيه خلال أقل من ثلاثة أسابيع، في مسار هبوطي يعكس حساسية الاقتصاد المصري الشديدة للتقلبات الخارجية وتسارع انتقال أثر الصدمات العالمية إلى السوق المحلية، وفقا لصحيفة آربيان جلف بيزنس إنسايت.
ولا يمكن فصل هذا الضغط الراهن عن تراكم آثار عديدة ومتتابعة لصدمات اقتصادية وجيوسياسية تعرضت لها مصر خلال السنوات الأخيرة، بدءا من حرب أوكرانيا التي زلزلت أمن الغذاء عالميا، وبصفة خاصة في بلد يعد من بين أكبر مستوردي القمح على مستوى العالم، مرورا باضطراب سلاسل الإمداد وخروج مليارات الدولارات من سوق الدين المحلي.
وقد أدى ذلك إلى موجة تضخم حادة دفعت إلى خفض قيمة العملة بنحو 40%، بالتوازي مع اللجوء إلى برامج تمويل دولية واستثمارات خليجية، ثم التحول إلى نظام سعر صرف أكثر مرونة في محاولة لاستعادة التوازن.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، جاءت ضغوط إضافية من تراجع إيرادات قناة السويس نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب تداعيات الصراعات في المنطقة، وهو ما زاد من الضغط على موارد النقد الأجنبي. كما فاقمت صدمة الطاقة من حدة الأزمة، إذ ارتفعت تكلفة واردات الغاز بشكل كبير، ما دفع الحكومة إلى رفع أسعار الوقود محليا، في ظل تضاعف فاتورة الاستيراد.
في هذا السياق، برز عامل حاسم تمثل في خروج “الأموال الساخنة” من سوق أذون الخزانة، حيث قدرت التدفقات الخارجة بنحو 7 مليارات دولار خلال فترة قصيرة. هذا النزوح السريع يعكس هشاشة الاعتماد على الاستثمارات قصيرة الأجل، التي تتأثر بشدة بتغيرات الأسواق العالمية، ويعد أحد أبرز الأسباب المباشرة للضغط على الجنيه.
وتزامن ذلك مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، ما عزز جاذبية الأصول المقومة بالدولار ودفع المستثمرين إلى إعادة توجيه أموالهم بعيدا عن الأسواق الناشئة. ومع صعود الدولار وزيادة تقلبات الأسواق، تراجعت شهية المخاطرة، وهو ما انعكس في تقليص التعرض لأدوات الدين المصرية رغم جاذبيتها الشهيرة في أوساط المستثمرين الدوليين.
كما فقدت استراتيجية “الكاري تريد” التي كانت تدعم تدفقات رؤوس الأموال إلى مصر جزءا كبيرًا من زخمها وفعاليتها، نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل عالميا وزيادة مستويات المخاطر. وساهم هذا التحول بدون شك في تقليص أحد أهم مصادر دعم العملة المصرية، في وقت أصبحت فيه الأسواق الناشئة أقل جاذبية نسبيا للمستثمرين الدوليين.
وعلى الرغم من أن احتياطيات النقد الأجنبي في مصر تقدر بنحو 51 مليار دولار، مدعومة بتحويلات العاملين بالخارج والاستثمارات، فإن التحديات المستقبلية لا تزال قائمة. فمع توقعات بارتفاع التضخم واستمرار الضغوط على مصادر العملة الصعبة مثل السياحة وقناة السويس، يظل الجنيه معرضا لمزيد من التقلبات.
ويقف الجنيه المصري، والعديد من عملات الاقتصادات الناشئة، أمام مشهد بالغ التعقيد إذ تتداخل فيه العوامل المحلية مع المتغيرات العالمية، من تدفقات رؤوس الأموال إلى أسعار الطاقة وتحركات الدولار، ما يجعل استقراره مرهونا بتطورات خارجية تفوق في كثير من الأحيان قدرة الاقتصاد المحلي على التحكم بها.