الثلاثاء 24 مارس 2026 الموافق 05 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

الخطة "ألف" فشلت.. هل تملك إدارة ترامب "خطة باء" للخروج من المستنقع الإيراني؟

الرئيس نيوز

بعد أسابيع من اندلاع الحرب، يتكشف فراغ الرؤية في واشنطن مع استمرار الصراع من دون تعريف واضح للنصر أو تصور واضح ومنطقي لنهايته، ووفقا لمجلة ذا أتلانتيك، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العنان للحرب ضد إيران في فبراير 2026، ولا تزال واشنطن عاجزة عن تقديم تعريف واضح لما تسميه “النصر”. فالرئيس الأمريكي يكرر أن الحرب ستنتهي قريبًا، لكنه لم يحدد حتى الآن الشكل الذي سيبدو عليه هذا الانتصار، ولا الخطوات التي تلي انتهاء العمليات العسكرية. هذا الغموض الاستراتيجي أصبح أحد أبرز سمات الحرب الجارية، وفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة داخل الولايات المتحدة وخارجها حول طبيعة الهدف الحقيقي من الصراع.

ومنذ بداية المواجهة، تنقل الخطاب الأمريكي بين مجموعة من المبررات المختلفة. مرة يجري الحديث عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومرة عن مواجهة الإرهاب، ومرة أخرى عن وقف برنامج الصواريخ الباليستية. هذا التبدل في الأسباب أعطى انطباعًا بأن الحرب لم تبني على استراتيجية محددة بقدر ما تشكلت من مجموعة أهداف متغيرة، وهو ما أضعف وضوح الرسالة السياسية الأميركية أمام العالم.
 

لكن في الأيام الأولى للحرب، بدا أن الهدف الأوسع يتجاوز كل تلك المبررات الجزئية. فقد دعا ترامب في خطاب مصور ليلة الضربات الأولى السلطات الإيرانية إلى الاستسلام، كما وجه رسالة مباشرة إلى الشعب الإيراني طالبًا منه الانتفاض ضد حكومته. في تلك اللحظة، ظهر أن الهدف الحقيقي يتمثل في تغيير النظام في طهران، وهو سيناريو افترض أن الضربات العسكرية القوية ستؤدي إلى انهيار سريع للسلطة القائمة.
 

لكن الحرب نفسها بدأت عندما شنت الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل ضربات واسعة داخل إيران. وأسفرت العمليات الأولى عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهو تطور كان يفترض أن يشكل لحظة فاصلة في مسار الصراع. غير أن التطورات التي تلت ذلك لم تسر وفق السيناريو المتوقع في واشنطن.
 

وبدلًا من انهيار النظام، تحركت مؤسسات الدولة الإيرانية بسرعة لإعادة ترتيب السلطة. فقد جرى تعيين نجل خامنئي خلفًا له، وهو شخصية توصف بأنها أكثر تشددًا من سلفه. هذه الخطوة أعطت إشارة واضحة إلى أن النظام الإيراني لم يتفكك كما توقع البعض، بل تمكن من إعادة تنظيم نفسه بسرعة.
 

وعززت التقييمات الاستخباراتية الأمريكية هذا الانطباع. فالتقارير المسربة تشير إلى أن النظام في إيران ليس على وشك الانهيار، بل قد يخرج من الحرب أكثر ثقة بقدرته على الصمود. مثل هذا التقييم يناقض الافتراض الأساسي الذي قامت عليه الضربة العسكرية الأولى، وهو أن الضغط العسكري الساحق سيؤدي إلى سقوط السلطة في طهران.
 

وفي ضوء هذه المعطيات، بدأ المشهد يبدو وكأن الحرب دخلت منطقة رمادية بين التصعيد والبحث عن مخرج سياسي. ففي الساعات الأولى من اليوم الثلاثاء الموافق 24 مارس 2026 أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تجري محادثات مع إيران لإنهاء الحرب، وأشار إلى أنه سيؤجل ضربات محتملة على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام بسبب ما وصفه بمحادثات “مثمرة جدًا”. 

 

غير أن طهران سارعت إلى نفي وجود أي حوار مع واشنطن، ما أعاد حالة الغموض إلى الواجهة.

هذه التطورات كشفت مفارقة واضحة في إدارة الحرب. فبينما تتحدث الإدارة الأمريكية عن إمكانية إنهاء الصراع قريبًا، لا تزال الأهداف الاستراتيجية غير محددة، كما لا يوجد جدول زمني واضح أو خطة خروج معروفة.


ويلخص بعض المسؤولين في واشنطن هذه المشكلة بوضوح قائلين إن الحرب بدأت من دون تصور دقيق لكيفية إنهائها. ومع مرور الوقت، يصبح هذا النقص في التخطيط أكثر وضوحًا، لأن الصراعات العسكرية الكبرى لا تقاس فقط بقدرة الجيوش على القتال، بل بقدرة القيادات السياسية على رسم طريق واضح للخروج منها.


وتكمن المفارقة الحقيقية في أن الرئيس الأمريكي تصور في بداية الحرب سيناريو أشبه بفيلم سياسي ضخم: ضربات سريعة، ومن ثم سقوط النظام الإيراني، ثم ولادة سلطة جديدة في طهران. لكن الواقع الجيوسياسي غالبًا ما يكون أكثر تعقيدًا من السيناريوهات التي ترسم في البدايات. فبدلًا من نهاية سريعة، يبدو أن الحرب تحولت إلى صراع مفتوح قد يمتد لفترة أطول مما توقعه صانعو القرار.


وهنا تكمن المشكلة الجوهرية التي يسلط الضوء عليها النقاش الدائر حول الحرب: إذا كانت “الخطة ألف” تقوم على إسقاط النظام الإيراني بسرعة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت هناك “خطة باء” أصلًا. وحتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن هذه الخطة البديلة لم تكن موجودة منذ البداية، وهو ما جعل الحرب تبدو أقل شبهًا باستراتيجية مدروسة وأكثر قربًا من مغامرة سياسية وعسكرية مفتوحة النهاية.