الأربعاء 11 مارس 2026 الموافق 22 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

شظايا مجزرة مدرسة إيرانية تحمل علامة «صنع في الولايات المتحدة»... وترامب يواصل الإنكار

الرئيس نيوز

أربع صور فقط كانت كفيلة بإشعال عاصفة سياسية وإعلامية عابرة للقارات؛ فعلى طاولة بسيطة وُضعت أمام مبنى مدرسي مدمر في جنوب إيران، ظهرت قطع معدنية مشوهة انتُشلت من موقع الضربة. لكن التفاصيل الأكثر صدمة لم تكن في شكل الشظايا، بل في الكلمات المحفورة عليها: "Made in USA" — "صنع في الولايات المتحدة الأمريكية".

وتقول طهران إن هذه القطع هي بقايا الصاروخ الذي أصاب مدرسة "شجرة الطيبة" الابتدائية للبنات في مدينة مينب، وهي ضربة خلفت ما لا يقل عن 168 طفلًا و14 معلمًا بين قتيل وجريح. وقد خلص تحليل أولي أجرته شبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية إلى أن الشظايا الظاهرة في الصور تتوافق مع مكونات صاروخ توماهوك كروز أمريكي الصنع، وهو ما وضع واشنطن في قلب عاصفة الاتهامات، بينما اكتفت الإدارة الأمريكية بالقول إن "التحقيق لا يزال جاريًا".

وكشفت الشظايا علامات تصنيع وأرقام عقود مرتبطة بالصناعات العسكرية الأمريكية. إحدى القطع حملت عبارة "SDL ANTENNA"، وهو مصطلح تقني يشير إلى هوائي اتصال بيانات فضائي يُستخدم في النسخ الحديثة من صواريخ توماهوك لتلقي تحديثات الملاحة أثناء الطيران.

الرقم التسلسلي المنقوش على هذه القطعة يشير إلى عقد توريد عسكري يعود إلى عام 2014، مرتبط بإحدى الشركات الأمريكية المتخصصة في تقنيات الطيران والاتصالات العسكرية. كما ظهرت قطعة أخرى تحمل بوضوح عبارة "Made in USA" إلى جانب اسم شركة أمريكية مقرها ولاية أوهايو، وهي شركة معروفة بتصنيع المحركات الدقيقة المستخدمة في أنظمة توجيه الصواريخ.

وتقول تقارير تحليلية إن هذه المكونات تتطابق مع أجزاء موثقة سابقًا في قواعد بيانات الأسلحة المفتوحة المصدر التي رصدت بقايا صواريخ توماهوك في ضربات عسكرية سابقة في الشرق الأوسط.

خبراء الذخائر: المؤشرات واضحة

وقال عدد من خبراء الأسلحة الذين فحصوا الصور المتداولة إن المكونات الظاهرة تتوافق بشكل كبير مع أجزاء من صاروخ توماهوك. ويشير هؤلاء إلى أن طبيعة القطع المعدنية وطريقة تثبيت بعض الأجزاء الإلكترونية تتطابق مع تصميمات معروفة لهذا النوع من الصواريخ.

لكن الخبراء يشيرون في الوقت نفسه إلى نقطة منهجية مهمة: فالصور وحدها لا تكفي لإثبات مكان انتشال الشظايا بدقة مطلقة، ما يترك مجالًا للجدل حول السياق الكامل للحادثة.

لم تتوقف الأدلة عند الصور؛ فقد انتشر مقطع فيديو التقطته كاميرات مراقبة في المنطقة، ويظهر لحظة سقوط صاروخ على موقع قريب من المدرسة. في التسجيل يبدو الصاروخ وهو يضرب منطقة داخل منشأة عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني تقع بجوار المدرسة.

وبعد لحظات من الانفجار، يتحرك إطار الكاميرا ليظهر عمود دخان كثيف يرتفع من جهة المبنى المدرسي المجاور. وقد خضع الفيديو لتحليل من قبل فرق تحقق رقمية تابعة لمؤسسات إعلامية دولية، خلصت إلى أن الصاروخ الظاهر في التسجيل يتوافق من حيث الشكل ومسار الطيران مع صاروخ كروز من طراز توماهوك.

كما أكد عدد من خبراء الذخائر الذين استشارتهم وسائل إعلام دولية أن شكل المقذوف في الفيديو يتطابق مع الصاروخ الأمريكي المعروف، وليس مع صواريخ جو–أرض أخرى تستخدمها القوات الأمريكية مثل صاروخ JASSM.

قاعدة عسكرية أم مدرسة؟

هنا يبدأ الجدل الحقيقي. فالموقع الذي أُصيب في الضربة يقع في منطقة تضم منشأة كانت في السابق قاعدة بحرية للحرس الثوري الإيراني، لكنها تقع أيضًا بالقرب من منشآت مدنية، بينها المدرسة التي تحولت إلى مركز الكارثة.

صور الأقمار الصناعية التي التُقطت بعد الضربة أظهرت تضرر عدة مبانٍ داخل المجمع العسكري المجاور، ما يشير إلى أن الهدف المحتمل ربما كان القاعدة نفسها. لكن حجم الدمار الذي أصاب المدرسة أثار تساؤلات حادة حول دقة المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها الضربة.

وذهبت بعض التحليلات إلى أن الهجوم ربما استند إلى معلومات قديمة تعود إلى سنوات سابقة حين كانت القاعدة نشطة عسكريًا، بينما يرى آخرون أن طبيعة الضربة قد تشير إلى خطأ جسيم في عملية الاستهداف.

ترامب في مواجهة الأدلة

وسط هذه المعطيات، اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسارًا مختلفًا تمامًا. ففي مؤتمر صحفي عقده في فلوريدا، طرح فرضية أثارت دهشة الصحفيين، مفادها أن إيران ربما تكون هي من استخدمت صاروخ توماهوك أمريكي الصنع لضرب مدرستها.

لكن هذه الرواية واجهت تشكيكًا واسعًا. فصاروخ توماهوك يُعد من أكثر الأسلحة الأمريكية تطورًا وخضوعًا للقيود التصديرية. وقد طورته في الأصل شركة جنرال ديناميكس، وتقوم بتصنيعه حاليًا شركة رايثيون ضمن برامج تسليح خاصة بالبحرية الأمريكية.

ولا تمتلك هذا الصاروخ سوى عدد محدود للغاية من الدول الحليفة للولايات المتحدة مثل بريطانيا وأستراليا، في حين لا توجد أي دلائل على امتلاك إيران لهذا النوع من الصواريخ أو حتى القدرة التقنية على تشغيله.

ردود فعل غاضبة في واشنطن

أثارت تصريحات ترامب موجة انتقادات داخل الولايات المتحدة نفسها. ففي جلسة بمجلس الشيوخ، قال زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر إن الادعاء بأن إيران قصفت نفسها بصاروخ توماهوك "يتناقض مع أبسط الحقائق العسكرية".

حتى بعض أعضاء الحزب الجمهوري طالبوا بإجراء تحقيق شامل لكشف ملابسات الضربة وتحديد المسؤولية بدقة، محذرين من أن استمرار الغموض قد يضر بمصداقية الولايات المتحدة في العالم.

أدلة أخرى تزيد الشكوك

في الوقت ذاته، ظهرت مؤشرات أخرى تزيد من تعقيد المشهد. فقد نشرت وزارة الدفاع الأمريكية في الأيام الأولى من العمليات العسكرية صورًا لمدمرة أمريكية وهي تطلق صواريخ توماهوك في إطار الضربات الجارية في المنطقة.

كما أظهرت خرائط العمليات التي نشرتها الوزارة أن المنطقة التي تقع فيها مدينة مينب كانت ضمن نطاق الأهداف العسكرية خلال الساعات الأولى من الحملة.

اليوم، وبينما لا يزال التحقيق الرسمي مستمرًا، تقف القضية عند تقاطع بالغ الحساسية بين الأدلة التقنية والروايات السياسية. فمن جهة تشير الشظايا والفيديوهات وتحليلات الخبراء إلى احتمال استخدام صاروخ أمريكي في الضربة، ومن جهة أخرى تواصل الإدارة الأمريكية رفض المسؤولية بشكل قاطع.