الأربعاء 11 مارس 2026 الموافق 22 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

انفراد بالمستندات: عزل ومحاكمة رئيسة نيابة إدارية بتهمة تزوير تقارير طبية للحصول على إجازات

الرئيس نيوز

حصل "الرئيس نيوز" على نص أمر الإحالة الصادر من نيابة شمال الجيزة الكلية في القضية رقم 20200 لسنة 2025 جنايات العجوزة والمقيدة برقم 8169 لسنة 2025 كلي شمال الجيزة، والتي تضمنت اتهام رئيسة نيابة بهيئة النيابة الإدارية بتزوير تقارير طبية للحصول على إجازات مرضية على خلاف الحقيقة، بمساعدة سيدة أخرى ثبت من التحقيقات أنها والدتها.

التحقيقات التي باشرها المستشار أمير فتحي، المحامي العام بنيابة شمال الجيزة الكلية، كشفت تفاصيل مثيرة حول الواقعة، التي انتهت بإحالة المتهمتين إلى محكمة الجنايات المختصة، وحددت محكمة استئناف القاهرة جلسة 25 مارس الجاري لنظر أولى جلساتها، بالتزامن مع قرار تأديبي سابق بعزل المتهمة الأولى من وظيفتها القضائية ونقلها إلى وظيفة غير قضائية بعد ثبوت عدم صلاحيتها للاستمرار في العمل القضائي.

ويكشف نص التحقيقات وأقوال الشهود والتقارير الفنية الصادرة عن مصلحة الطب الشرعي أن القضية تدور حول اصطناع تقارير طبية ونسبتها زورا إلى طبيب استشاري شهير في أمراض النساء والتوليد، واستخدامها للحصول على قرارات إجازة مرضية رسمية من اللجان الطبية المختصة بأعضاء الهيئات القضائية.

اتهام رئيسة نيابة بتزوير محررات رسمية وأخرى تخص طبيب شهير

بحسب أمر الإحالة الصادر عن النيابة العامة، فإن المتهمتين هما "نيفين س. م.، 35 سنة، رئيس نيابة فئة (ب) بهيئة النيابة الإدارية سابقا، وفاطمة ع.  ع.، 65 سنة، ربة منزل".

وأسندت النيابة العامة إلى المتهمة الأولى، باعتبارها موظفا عاما وعضو هيئة قضائية، أنها اشتركت بطريق المساعدة مع موظفين عموميين حسني النية من أعضاء اللجنة الطبية المختصة بنظر الإجازات المرضية لأعضاء الهيئات القضائية في ارتكاب تزوير في محررات رسمية.

ووفق التحقيقات، فإن التزوير وقع في قراري الإجازات المرضية رقمي 1164 و1246 لسنة 2024 الخاصة بالإجازات المرضية لأعضاء الهيئات القضائية.

وأوضحت النيابة أن المتهمتين قامتا بجعل واقعة مزورة في صورة صحيحة، إذ تقدمت المتهمة الثانية إلى الموظفين المختصين وقدمت لهم تقارير طبية مزورة تفيد بالحالة الصحية للمتهمة الأولى، فتم تحرير قراري الإجازة المرضية بناء على تلك التقارير.

وكشفت التحقيقات أن الواقعة لم تتوقف عند حدود تقديم تقارير طبية غير دقيقة، بل امتدت إلى اصطناع تقارير طبية كاملة ونسبتها زورا إلى طبيب استشاري.

فقد نسبت النيابة إلى المتهمتين أنهما اشتركتا بطريقي الاتفاق والمساعدة مع شخص مجهول في تزوير ثلاثة تقارير طبية مؤرخة في 1 مايو 2024 و10 يوليو 2024 و10 أغسطس 2024، وقد نسبت هذه التقارير زورا إلى الطبيب نبيل فارس إسحاق، استشاري النساء والتوليد.

ووفق أمر الإحالة، فإن التزوير تم بطريق الاصطناع على غرار الصحيح من التقارير الطبية، حيث اتفقت المتهمتان مع شخص مجهول على إعداد تلك التقارير، وأمدتاه بالبيانات المطلوب إثباتها، فقام بتحريرها على خلاف الحقيقة.

وبعد ذلك، استخدمت تلك التقارير في الحصول على قرارات الإجازة المرضية من اللجان الطبية المختصة.
وتشير التحقيقات إلى أن المتهمة الأولى استعملت أحد التقارير الطبية المزورة بنفسها، فيما قامت المتهمة الثانية باستخدام تقريرين آخرين.

فقد قدمت المتهمة الأولى التقرير المؤرخ في 1 مايو 2024 إلى جهة عملها بهيئة النيابة الإدارية، وهي تعلم – بحسب الاتهام – أنه مزور، بينما قامت المتهمة الثانية بتقديم التقريرين المؤرخين في 10 يوليو و10 أغسطس 2024 إلى الإدارة المركزية للجان الطبية، للحصول على قرارات الإجازة المرضية لصالح المتهمة الأولى.

وبناء على هذه التقارير، صدرت قرارات الإجازة المرضية التي حصلت عليها المتهمة الأولى.

شهادة مسؤولة اللجان الطبية تكشف الآلية

في سياق التحقيقات، استمعت النيابة العامة إلى شهادة عبير عبد الحميد مرسي عارف، مدير إدارة التظلمات بالإدارة المركزية للجان الطبية.

وأوضحت الشاهدة أن اللائحة المنظمة لعمل اللجان الطبية تنص على أن حضور المريض بشخصه للكشف الطبي قد لا يكون ضروريا في بعض الحالات، خاصة في الحالات المرضية المزمنة أو المستعصية.

وأضافت أن هناك ما يعرف بـ "التكرار الإداري"، وهو نظام يسمح بتجديد الإجازات المرضية لبعض المرضى دون ضرورة حضورهم في كل مرة للكشف الطبي، وذلك في ضوء تقارير طبية معتمدة.

غير أنها أكدت أن الهيئات القضائية تخضع لإجراءات مختلفة، وأن القرارات الخاصة بالمتهمة الأولى صدرت بناء على التقارير الطبية المقدمة منها إلى جهة عملها.

من بين الشهادات المهمة في القضية، جاءت أقوال الدكتورة نهاد محسن عبد اللطيف يوسف، وهي طبيبة عضو بالإدارة المركزية للجان الطبية.

وأفادت الطبيبة بأنها قامت بالفعل بتوقيع الكشف الطبي على المتهمة الأولى في إحدى المرات، وأن الكشف أسفر عن أنها كانت حاملا في الأسبوع السادس والعشرين وتعاني من تورم بالقدمين نتيجة ارتفاع ضغط

الدم ونزيف رحمي نتيجة وجود مشيمة سابقة وأعراض تسمم الحمل.

وبناء على ذلك، أصدرت قرارا بمنحها إجازة مرضية لمدة تقارب شهرين، تبدأ من 13 مايو 2024 وحتى 11 يوليو 2024.

لكن الطبيبة أكدت أن القرارات التالية صدرت بناء على تقارير طبية أخرى نسبت إلى الطبيب نبيل فارس إسحاق، وتم تقديمها بواسطة المتهمة الثانية.

وفق أقوال الطبيبة، فإن التقرير الطبي الثاني – الذي قدمته المتهمة الثانية – تضمن أن المتهمة الأولى حامل في الأسبوع الخامس والثلاثين وتعاني من تورم في القدمين بسبب ارتفاع ضغط الدم وتعاني من نزيف رحمي حاد نتيجة مشيمة أسفل الجنين وحالة الجنين غير مستقرة وتستلزم راحة تامة بالفراش.

وبناء على ذلك صدر القرار رقم 1164 لسنة 2024 بمنح المتهمة الأولى إجازة مرضية إضافية خلال الفترة من 13 يوليو 2024 وحتى 12 أغسطس 2024.

وبعد ذلك قدمت المتهمة الثانية تقريرا ثالثا يتضمن أن المتهمة الأولى حامل في الأسبوع الثامن والثلاثين وتعاني من ذات الأعراض، الأمر الذي أدى إلى إصدار قرار الإجازة المرضية رقم 1246 لسنة 2024.

وأوضحت الطبيبة في أقوالها أن المتهمة الأولى لم تحضر بنفسها للكشف الطبي في المرتين الثانية والثالثة.
لكن ذلك – بحسب الشاهدة – لا يعد مخالفة في حد ذاته، لأن لوائح اللجان الطبية لا تمنع تمديد الإجازة المرضية دون حضور المريض في بعض الحالات، خاصة إذا كانت الحالة مدرجة ضمن ما يسمى بالتكرار الإداري.

وهو ما استندت إليه اللجنة الطبية في إصدار القرارات محل التحقيق.

شهادة موظفة التأمين الصحي

كما استمعت النيابة إلى إيمان محمد السيد، أخصائية اجتماعية بالهيئة العامة للتأمين الصحي والمسؤولة عن دفتر الصادر والوارد.

وأفادت الشاهدة بأن المتهمة الثانية حضرت بنفسها إلى مقر جهة عملها في فترات متفرقة، وقدمت التقارير الطبية الخاصة بالمتهمة الأولى.

وأضافت أنها قامت بتسجيل تلك التقارير في الدفاتر الرسمية، وأن المتهمة الثانية وقعت أمامها بدفتر الصادر، ودوّنت رقمها القومي بما يفيد تسلمها قراري الإجازتين المرضيتين.

الطبيب المنسوب إليه التقارير ينفي صلته

أحد أهم مفاصل القضية كان موقف الطبيب نبيل فارس إسحاق، وهو استشاري النساء والتوليد الذي نسبت إليه التقارير الطبية محل الاتهام.

فقد أكد الطبيب، أثناء سؤاله على سبيل الاستدلال، أنه لا تربطه أي صلة بالمتهمتين.

كما أوضح بشكل قاطع أنه لم يوقع الكشف الطبي على المتهمة الأولى ولم يحرر أي تقارير طبية خاصة بها ولم تصدر تلك التقارير عن عيادته أو تحت توقيعه.

وهو ما دفع النيابة إلى إحالة التقارير إلى إدارة أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي للفحص الفني.

تقرير الطب الشرعي يحسم الجدل

جاء تقرير إدارة أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي ليؤكد بشكل حاسم أن الطبيب نبيل فارس إسحاق لم يحرر تلك التقارير الطبية لا صلبا ولا توقيعا.

وبحسب التقرير الفني، فإن التقارير الثلاثة السابق ذكرها - محل التحقيقات - لم تصدر عن الطبيب المذكور بأي صورة من الصور.

وهو ما اعتبرته النيابة دليلا فنيا قاطعا على واقعة التزوير.

مفاجأة التحقيقات: المتهمة كانت خارج البلاد

واحدة من أكثر النقاط إثارة في التحقيقات كانت ما كشفته شهادة تحركات صادرة عن مصلحة الجوازات والهجرة.

فقد أظهرت الشهادة أن المتهمة الأولى غادرت البلاد إلى نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية يوم 20 مايو 2024.

وأنها ظلت خارج مصر حتى عادت في 19 أغسطس 2024.

وهو ما تزامن مع الفترة التي حصلت خلالها على الإجازات المرضية المتتالية بناء على التقارير الطبية المزورة.

اعترافات جزئية من المتهمة الثانية

أثناء استجواب المتهمة الثانية فاطمة ع. ع.، أقرت بأنها والدة المتهمة الأولى وأنها هي بالفعل القائمة على تقديم التقارير الطبية إلى الإدارة المركزية للجان الطبية.

غير أنها ذكرت في أقوالها أنها تحصلت على تلك التقارير من الطبيب نبيل فارس إسحاق، وهو ما نفاه الطبيب تماما.

قرار تأديبي بعزل المتهمة من القضاء

لم تتوقف القضية عند حدود المساءلة الجنائية فقط، بل امتدت إلى المساءلة التأديبية داخل هيئة النيابة الإدارية.

فقد كشفت أوراق القضية أن إدارة التفتيش القضائي بهيئة النيابة الإدارية أحالت الواقعة إلى مجلس تأديب أعضاء الهيئة.

وبحسب كتاب رسمي صادر عن إدارة التفتيش القضائي، فإن مجلس التأديب قرر في جلسته المنعقدة بتاريخ 10 أغسطس 2025: عدم صلاحية المتهمة الأولى للاستمرار في شغل وظيفتها القضائية.
كما قرر المجلس نقلها إلى وظيفة غير قضائية، وهو القرار الذي يعد في الواقع عزلا فعليا من العمل القضائي.

مواد الاتهام والإحالة

أسندت النيابة العامة إلى المتهمتين ارتكاب جناية وجنحة معاقب عليهما بالمواد 40 / ثانيًا وثالثًا و41 / 1 و213 و214 و215 من قانون العقوبات المصري، وهي المواد الخاصة بجرائم التزوير والاشتراك في التزوير واستعمال المحررات المزورة.

وبعد استكمال التحقيقات وسماع الشهود وإجراء الفحوص الفنية، أصدر المستشار أمير فتحي المحامي العام لنيابة شمال الجيزة الكلية قراره بإحالة المتهمتين إلى محكمة الجنايات المختصة.

قضية نادرة داخل الهيئات القضائية

تكتسب هذه القضية أهميتها من كونها واحدة من القضايا النادرة التي تتعلق باتهام عضو هيئة قضائية في جريمة تزوير محررات رسمية.

كما أنها تكشف – بحسب ما ورد في التحقيقات – آلية استغلال التقارير الطبية والإجازات المرضية داخل بعض المؤسسات، وهو ما دفع الجهات المختصة إلى التحقيق في الواقعة بدقة شديدة.

ومع إحالة القضية إلى محكمة الجنايات، تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء للفصل في الاتهامات المنسوبة إلى المتهمتين.