مخاوف من طمس أدلة في تحقيق بريطاني بشأن رحلات إبستين
تواجه السلطات البريطانية تداعيات جدية بعد كشف تقارير عن احتمال إتلاف أدلة مهمة في التحقيق المتجدد حول الممول الأمريكي جيفري إبستين، ما يثير تساؤلات حول قدرة الأجهزة الرسمية على تتبع النشاطات المشبوهة المرتبطة بالنقل غير المشروع للفتيات المستغلات عبر المملكة المتحدة.
التحقيقات التي تجريها عشرة أجهزة شرطة بريطانية تشمل شرطة العاصمة، وشرطة سري وساسكس ووادي التايمز ونورفولك وبدفوردشير، تأتي في سياق إعادة تقييم شامل بعد مرور سنوات على الأحداث الأولى، في محاولة لفهم كيفية استخدام إبستين لشبكته العالمية للاتجار بالبشر، وفقا لصحيفة الإندبندنت.
وتكمن الصعوبة الأساسية في أن قواعد بيانات الركاب، وخاصة تلك المتعلقة بالقوات الجوية الملكية، تحذف بعد فترة قصيرة، ما يجعل من الصعب استكمال صورة الرحلات الجوية التي استخدمها إبستين وطائراته الخاصة، المعروفة إعلاميًا باسم "لوليتا إكسبرس". فالقوات الجوية الملكية تحتفظ بقوائم الركاب لمدة ثلاثة أشهر فقط قبل إتلافها، بينما تحفظ بيانات حركة الطيران لمدة عامين. أما شركات الطيران التجارية فتحتفظ بسجلات الركاب لستة إلى سبعة أعوام فقط، وهو ما يترك فجوات زمنية كبيرة، خصوصًا وأن بعض الرحلات المرتبطة بإبستين تعود إلى نحو عقدين.
وأشار تقرير صحيفة "ذا تايمز" البريطانية إلى أن الشرطة قد تضطر إلى استجواب موظفي مطارات ومسؤولين سابقين للحصول على خيوط إضافية، لكنه أوضح أن سياسات إتلاف البيانات تجعل من الصعب تحديد من دخل البلاد ومتى، إذا لم تكن هناك سجلات محفوظة. هذه الثغرات أثارت مخاوف من أن بعض الأدلة قد تكون ضاعت بالفعل، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية الرقابة على الشخصيات البارزة التي كانت تتحرك بحرية عبر قواعد جوية ومطارات استراتيجية.
وفي خطوة غير معتادة، دعا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، جوردون براون، جميع الأجهزة الشرطية المعنية إلى مراجعة قرارات التحقيق السابقة وإعادة تقييمها، خصوصًا فيما يتعلق بما إذا كان أندرو ماونتباتن-ويندسور قد استخدم رحلات عسكرية تابعة لسلاح الجو الملكي للتنقلات التي قد تكون مرتبطة بإبستين. وأكد براون في رسالة من خمس صفحات على أهمية سد الثغرات وتحقيق العدالة، مشيرًا إلى أن شرطة العاصمة كانت قد قررت عام 2015 عدم فتح تحقيق شامل بشأن إبستين.
يأتي هذا في وقت تشهد فيه العائلة الملكية البريطانية أزمة كبيرة بعد توقيف الأمير أندرو في قضية منفصلة تتعلق بسوء سلوك في المنصب العام، على خلفية مزاعم تمرير معلومات سرية إلى إبستين خلال فترة عمله كمبعوث تجاري. وقد وصف التقرير هذه التطورات بأنها أكبر أزمة دستورية تواجه العائلة منذ عقود.
وتضافرت هذه المعطيات لتجعل التحقيق أمام تحديين مزدوجين: الأول سد فجوات البيانات التي تمتد لعقود طويلة، والثاني تحديد مدى مسؤولية المؤسسات الرسمية السابقة في التدقيق الكافي في المزاعم التي تمس شخصيات رفيعة ومواقع سيادية حساسة. ويأمل المحققون أن توفر إعادة فحص الملفات الإلكترونية والوثائق الأمريكية، ضمن ما يُعرف بـ"ملفات إبستين"، معلومات إضافية قد تساعد في تكوين صورة أوضح عن شبكته وأنشطته في المملكة المتحدة.
ويشكل التحقيق تحديًا استثنائيًا للشرطة البريطانية، حيث تتقاطع القضايا الجنائية مع القضايا السيادية والسياسية، ما يعكس مدى تعقيد ملف إبستين وتأثيره على صورة الأجهزة الأمنية البريطانية في إدارة القضايا الحساسة. في الوقت نفسه، يظل الرأي العام المحلي والدولي متابعًا عن كثب، إذ أن الكشف عن أي تجاوزات أو فقدان أدلة قد يؤدي إلى ضغوط سياسية وقانونية على الحكومة البريطانية والأجهزة الرسمية المعنية.