الإشكاليات التربوية.. علي جمعة يطرح بديل للرقابة الوالدية بعد سن الـ18|فيديو
أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الجمهورية السابق، أن قضية الرقابة الوالدية على الأبناء بعد سن الـ18 تمثل واحدة من أبرز الإشكاليات التربوية داخل البيوت المصرية في الوقت الراهن، مشددًا على أن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية تفرض تغييرًا جذريًا في أساليب التربية التقليدية، وأن الاستمرار في سياسة «المنع والتفتيش» لم يعد مجديًا في ظل عالم مفتوح يتسم بسهولة الوصول إلى المعلومات والمحتوى، مؤكدًا أن البديل الواقعي يتمثل في تبني سياسة «المشاركة والصحبة» كمنهج تربوي أكثر فاعلية وتأثيرًا.
الفردانية وصدام الأجيال
أشار الدكتور علي جمعة، خلال حلقة برنامجه «نور الدين والشباب» الذي يُذاع في شهر رمضان على قناة سي بي سي، إلى أن العالم يتجه بقوة نحو فلسفة «الفردانية»، التي تُعلي من شأن «الأنا» والاستقلال الشخصي على حساب الروابط الأسرية والمجتمعية، وهو ما عزز فكرة أن بلوغ سن الـ18 يعني الاستقلال التام في اتخاذ القرار، وأن هذا التحول الفكري يتصادم مع مخاوف الآباء، الذين يعيشون حالة قلق دائم من فتن العصر، سواء المرتبطة بالمحتوى الرقمي أو الجرائم المستحدثة أو الانحرافات السلوكية، ما يدفعهم إلى تشديد الرقابة حتى بعد تجاوز الأبناء مرحلة الطفولة.
أكد مفتي الجمهورية الأسبق، أن هذا التناقض بين رغبة الأبناء في الاستقلال وخوف الآباء من المخاطر يولد حالة من الاحتقان والصدام داخل الأسرة، وأن الإصرار على التفتيش والمراقبة الصارمة يدفع الأبناء إلى التحايل وإخفاء سلوكياتهم بدلًا من تقويمها، مما يُضعف جسور الثقة بين الطرفين ويحول العلاقة من علاقة احتواء وتوجيه إلى علاقة شك ومواجهة.
المنع في عصر الهواتف الذكية
وفي رده على مداخلة أحد الشباب الذي اشتكى من قيام والده بتفتيش هاتفه ومراقبة ما يشاهده رغم تجاوزه سن الطفولة، قال علي جمعة، إن المنع لم يعد متاحًا لا منطقًا ولا واقعًا، موضحًا أن الشاب إذا مُنع من مشاهدة شيء على هاتفه الخاص، فبإمكانه الوصول إليه بسهولة عبر أصدقائه أو منصات أخرى، مؤكدًا أن التربية الحديثة لم تعد تقوم على فرض الأوامر، بل على بناء الضمير الداخلي، بحيث يصبح الشاب قادرًا على اتخاذ القرار الصحيح حتى في غياب الرقابة.
ودعا عضو هيئة كبار العلماء، إلى تبني أسلوب «المشاهدة المشتركة» كبديل عملي، حيث يجلس الأب أو الأم مع الابن لمتابعة المحتوى الفني أو الترفيهي، ثم يُفتح باب النقاش حول ما تم عرضه، سواء من حيث السلوكيات أو القيم أو الرسائل الضمنية، وأن هذه الطريقة تتيح تمرير القيم التربوية بصورة غير مباشرة، مثل نقد الأنانية أو الإشادة بالإيثار أو مناقشة تصرفات خاطئة في سياق درامي، ما يُنمّي لدى الابن وعيًا ذاتيًا يجعله قادرًا على التمييز بين الصواب والخطأ دون فرض مباشر أو قسر.

تغيير أدوات التربية
واختتم الدكتور علي جمعة، بالتأكيد على أن التعامل مع أدوات العصر الحديث يقتضي تغيير أدوات التربية ذاتها، مشيرًا إلى أن الرقابة الصارمة والتفتيش المستمر قد يسببان الضيق والعناد، ويعززان الرغبة في التمرد، مشددًا على أن المشاركة والصحبة تبني جسور الثقة، وتحقق الحماية المطلوبة للأبناء بطريقة أكثر نضجًا واتزانًا، مؤكدًا أن الأسرة التي تنجح في تحويل العلاقة من «رقيب ومُراقَب» إلى «صاحب وصديق» تكون أكثر قدرة على حماية أبنائها في زمن تتسارع فيه التحديات وتتعدد فيه المؤثرات.


