المكسيك بعد "إل مينشو".. هل ينهي مقتله إمبراطورية "الفنتانيل" أم يفتح أبواب الجحيم؟
هزت المكسيك أنباء مقتل نيميسيو أوسيجويرا سيرفانتس، المعروف باسم "إل مينشو"، أحد أخطر زعماء تجارة المخدرات في العالم. وأسقطت السلطات المكسيكية هذا الرجل الذي تحول خلال عقدين إلى رمز للجريمة المنظمة، لكنها سرعان ما واجهت تبعات مقتله في صورة موجة عنف متصاعدة. ووصفته مجلة "ديرشبيجل" الألمانية بأنه "زلزال أمني استراتيجي"، لكنها حذرت من أن سقوطه قد يكون شرارة لتصعيد أكبر داخل صفوف كارتله وداخل المكسيك بأكملها.
وفي وقت سابق من العام، رفعت السلطات الأمريكية المكافأة الرسمية مقابل المعلومات التي قد تؤدي إلى القبض على نيميسيو أوسيجويرا سيرفانتس المعروف بـ«إل مينشو»، إلى 15 مليون دولار، ونشرت وزارة الخارجية الأمريكية عبر موقعها ملصقا بالجائزة وثلاث صور للمطلوب شديد الخطورة.
وكشف تحقيق "ديرشبيجل" أن "إل مينشو" لم يكن مجرد تاجر مخدرات تقليدي، بل مهندس نموذج إجرامي متكامل، يجمع بين العنف العسكري، والتغلغل الاجتماعي، والسيطرة الاقتصادية. وقاد الكارتل إمبراطورية تعتمد على تصنيع الفنتانيل والميثامفيتامين، ووسع نطاق نفوذه ليصل إلى مناطق كانت في السابق خارج سيطرة العصابات. كما استخدم الرجل أسلحة ثقيلة، وطائرات مسيرة، وشبكات تجسس محلية، ليصبح تنظيمه قوة موازية للدولة نفسها في بعض الولايات المكسيكية.
صراع الخلافة يلوح في الأفق
وتشير "ديرشبيجل" إلى أن مقتل "إل مينشو" لن يؤدي بالضرورة إلى تفكك التنظيم. بل على العكس، قد يحفز النزاع على خلافة الزعيم، حيث تتصارع الأجنحة المسلحة داخله للسيطرة على ممتلكاته وطرق التهريب. بدأ هذا الصراع بالفعل مع تسجيل موجة اغتيالات ضد قادة أقل رتبة، واستهداف مقرات الشرطة، وعمليات حرق مركبات مدنية وعسكرية، ما يعيد إلى الأذهان أسوأ فترات العنف المكسيكية خلال العقد الماضي.
وأكدت المجلة الألمانية أن هذه العمليات الانتقامية ترسل رسالة واضحة: موت الزعيم لا يعني نهاية الهيمنة، بل قد يؤدي إلى نسخة أكثر عنفًا من التنظيم نفسه. وبدورها، وضعت هذه الأحداث السلطات المكسيكية أمام اختبار صعب لإثبات قدرتها على فرض القانون وحماية المدنيين.
الولايات المتحدة تحذر مواطنيها
وتفاعل المجتمع الدولي بسرعة مع مقتل "إل مينشو". فقد نشرت صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية أن وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت بالفعل تحذيرات لمواطنيها المقيمين والزائرين للمكسيك، دعتهم فيها إلى توخي أقصى درجات الحذر. كما ألغت الولايات المتحدة عشرات الرحلات الجوية الداخلية والدولية، تحسبا لأي هجمات قد تستهدف البنى التحتية أو المطارات، ما يعكس مدى القلق الأمريكي إزاء تفاقم العنف.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن واشنطن تواجه تحديات مزدوجة تتمثل في تكثيف جهود حماية المواطنين الأمريكيين من مخاطر العنف، وفي الوقت نفسه ضمان استقرار حركة التجارة والسياحة، خصوصا مع استمرار أزمة الفنتانيل التي تجتاح الولايات المتحدة، ما يجعل الوضع الأمني على الحدود الجنوبية مسألة ذات أولوية قصوى.
الفنتانيل… الرابط الخطر بين المكسيك وأمريكا
لا يمكن النظر إلى مقتل "إل مينشو" بمعزل عن أزمة المخدرات، وبخاصة انتشار الفنتانيل. بحسب "ديرشبيجل"، كان الرجل أحد العقول المدبرة لتوسيع إنتاج هذه المادة شديدة الخطورة، مستفيدًا من ضعف الرقابة وتواطؤ شبكات تهريب عابرة للحدود. موته قد يعطل مؤقتا هذه الشبكات، لكنه لا يلغي الطلب الأميركي الهائل، الذي يواصل تأجيج العنف في المكسيك.
المكسيك أمام مفترق طرق
وختمت "ديرشبيجل" تحليلاتها بالتأكيد أن المكسيك اليوم أمام مفترق طرق: إما استثمار سقوط "إل مينشو" لإعادة فرض سيطرة القانون، أو مواجهة نسخة أكثر شراسة من التنظيم تحت قيادة زعماء أصغر وأكثر عنفًا. ويضيف التقرير أن العملية الأمنية، رغم نجاحها في القضاء على الرجل، قد تتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحويل هذا الانتصار الأمني إلى نقطة تحول استراتيجية، بعيدًا عن الفوضى والانتقام المستمر.
وشدد خبراء الجريمة المنظمة على أن مقتل "إل مينشو" لا ينهي الحرب ضد كارتلات المخدرات، بل يكشف عمقها وتعقيدها، ويكشف كذلك الروابط بين الجريمة المنظمة والسياسة والاقتصاد على ضفتي الحدود، مع تأثير مباشر على الأمن الإقليمي والدولي.