الأربعاء 18 فبراير 2026 الموافق 01 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

سارة خليفة أبرز المستفيدين.. كيف يعيد حكم الدستورية رسم خريطة قضايا المخدرات؟ قانيون يوضحون

الرئيس نيوز

أصدرت المحكمة الدستورية العليا، أمس الأول الاثنين، حكمًا ببطلان قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 بشأن استبدال الجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وقضت كذلك بسقوط جميع القرارات السابقة واللاحقة الصادرة عن رئيس الهيئة في ذات الشأن، تأسيسًا على قيامها على العيب الدستوري ذاته.

الحكم لم يكن مجرد إلغاء لقرار إداري، بل حمل في طياته تداعيات قانونية وجنائية واسعة، قد تمتد آثارها إلى مئات القضايا المنظورة أمام المحاكم، خاصة تلك المتعلقة بجرائم “الشابو” والمخدرات المصنعة والمستحدثات الكيميائية، التي أُدرجت في الجداول المعدلة بموجب القرارات المقضي بعدم دستوريتها.

وأخطرت المحكمة الدستورية العليا النائب العام رسميًا بالحكم، لتفعيل مقتضاه في الدعاوى الجنائية التي طُبقت فيها الجداول المعدلة خلال الفترة التي كان القرار فيها ساريًا، مؤكدة أن أثر الحكم يمتد باعتبار القرارات كأن لم تكن منذ صدورها، مع بقاء الجداول الأصلية الصادرة بالأداة القانونية الصحيحة سارية ونافذة، إلى حين تعديلها أو استبدالها بأداة تشريعية منضبطة دستوريًا.

لماذا قضت المحكمة بعدم الدستورية؟

الحكم جاء بعد أن أحالت إحدى الدوائر الجنائية بمحكمة النقض القرار إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريته، بعدما تراءى لها وجود عوار دستوري يشوبه.

وأقامت المحكمة قضاءها على أن القرار محل الطعن يُعد افتئاتًا على التفويض التشريعي المقرر لوزير الصحة والسكان بموجب المادة (32) من القانون رقم 182 لسنة 1960، وهي المادة التي خولت الوزير – دون غيره – سلطة تعديل الجداول الملحقة بالقانون.

ورأت المحكمة أن حلول رئيس هيئة الدواء محل وزير الصحة في هذا الاختصاص يمثل تجاوزًا لحدود التفويض التشريعي، خاصة أن قانون إنشاء هيئة الدواء رقم 151 لسنة 2019، لا سيما المادة الثانية والمادة 15 منه، لم يمنح رئيس الهيئة سلطة تعديل جداول قانون جنائي يمس نطاق التجريم والعقاب، وإنما قصر اختصاصه على تنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الدوائية.

وأكدت المحكمة أن القرار لا يستند إلى سند صحيح في القانون، بما يجعله مهدرًا لمبدأ سيادة القانون، ومخلًا بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومفتئتًا على مبدأ الفصل بين السلطات، ومخالفًا لنصوص المواد (5 و94 و95 و101) من الدستور.

القاضي السابق بمجلس الدولة عصام رفعت يوضح الأثر الرجعي والفوري للحكم

المستشار عصام رفعت، القاضي السابق بمجلس الدولة، أكد في تصريحات خاصة لـ"الرئيس نيوز" أن الحكم “سيفتح الباب أمام إخراج والإفراج عن المتهمين في قضايا الشابو والمستحدثات التي صدرت في هذا القرار”.

وأوضح أن “أي شخص محبوس على ذمة قضية شابو أو مخدرات استنادًا إلى الجداول المعدلة بموجب القرار المقضي بعدم دستوريته، يحق له طلب إعادة الإجراءات أو إعادة المحاكمة، لأن الأساس القانوني الذي بُني عليه الاتهام بات منعدمًا”.

وأضاف أن جميع المحاكم في مصر ملزمة بمخاطبة هذا الحكم وإعمال مقتضاه، مشيرًا إلى أن “أكبر مشكلة تحدث في الجهاز الإداري للدولة أن بعض القرارات تصدر دون مراجعة دقيقة لنصوص القانون والدستور، وهو ما يؤدي إلى عوار دستوري جسيم”.

وشدد على أن “المخول بإصدار قرارات من هذا النوع، الخاصة بتجريم المواد والعقاقير، هو وزير الصحة بنص القانون، وأي تغول على هذه السلطة، بوضع مواد في جدول المخدرات أو حذفها دون سند تشريعي صحيح، يمثل كارثة قانونية”.

وبيّن أن أثر حكم المحكمة الدستورية العليا هو أثر رجعي وفوري ومباشر، موضحًا أن الأثر المباشر ينسحب على من نُفذت عليهم عقوبات استنادًا إلى القرار الباطل، كما يمتد أثره إلى من يتم القبض عليهم منذ صدور الحكم وحتى صدور القرار البديل من وزير الصحة.

وزير الصحة يتحرك… وقرار بديل يصدر

في أعقاب الحكم مباشرة، أصدر وزير الصحة قرارًا جديدًا بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، مستندًا إلى التفويض التشريعي المقرر له قانونًا، في محاولة لسد الفراغ التشريعي الذي ترتب على إبطال قرارات رئيس هيئة الدواء.

التحرك السريع من وزير الصحة يعكس إدراكًا لحساسية المرحلة، خاصة أن أي فراغ تنظيمي في جداول المخدرات قد ينعكس على سير التحقيقات والمحاكمات الجارية، غير أن ذلك لا يحول دون إعمال الأثر الرجعي للحكم بالنسبة للفترة التي طُبق فيها القرار المقضي بعدم دستوريته.

سارة خليفة بين أبرز المستفيدين

ومن بين أبرز القضايا التي قد تتأثر بالحكم، تبرز قضية سارة خليفة، المتهمة مع 27 آخرين في إحدى قضايا المخدرات الكبرى المتداولة حاليًا.

وبحسب المستشار عصام رفعت، فإن المضبوطات في القضية تتعلق بمخدرات مصنّعة أُدرجت ضمن الجداول التي شملها التعديل المقضي بعدم دستوريته، ما يجعل موقف الدفاع في القضية أقوى من الناحية القانونية، استنادًا إلى انتفاء السند الدستوري للتجريم خلال فترة سريان القرار الباطل.

ويرى رفعت أن سارة خليفة قد تكون من أبرز المستفيدين من الحكم، إذا ثبت أن الاتهامات الموجهة إليها تأسست على إدراج مواد ضمن الجداول المعدلة بقرار رئيس هيئة الدواء، قبل صدور القرار البديل من وزير الصحة.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انقضاء الدعوى، إذ يبقى الأمر مرهونًا بتكييف المحكمة للواقعة، ومدى انطباق الجداول الأصلية أو القرار الجديد عليها، فضلًا عن التوقيت الزمني للضبط.

القاضي السابق نزيه الحكيم: انتصار لمبدأ الشرعية وعودة التشريع إلى البرلمان

من جانبه، أكد القاضي السابق الدكتور نزيه الحكيم لـ"الرئيس نيوز" أن الحكم “لم يكن مجرد رقابة على قرار إداري، بل إعادة تأسيس لمبدأ دستوري جوهري، هو أن التجريم والعقاب لا يُنشآن إلا بنص صحيح يصدر ممن يملك سلطة التشريع أو التفويض الصريح”.

وأوضح أن المحكمة استندت إلى المادة (95) من الدستور التي تقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، معتبرًا أن نقل اختصاص تعديل الجداول إلى رئيس هيئة الدواء يمثل افتئاتًا على التفويض التشريعي المقرر لوزير الصحة.

وأشار إلى أن الحكم رسّخ عدة مبادئ دستورية، أبرزها تكريس مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة (5)، والتأكيد على أن سيادة القانون أساس الحكم وفق المادة (94)، وحماية مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات بالمادة (95)، واحترام الاختصاص التشريعي الأصيل لمجلس النواب بموجب المادة (101).

وأضاف أن إبطال القرارات لا يعني تعطيل محاكمة المتهمين، بل يقتضي فقط تطبيق الجداول الصادرة بالأداة القانونية الصحيحة، مؤكدًا أن جميع سلطات الدولة، بما فيها النيابة العامة والمحاكم، ملزمة بإعمال مقتضى الحكم وفقًا للمادة (195) من الدستور.

هل يكشف الحكم عن خلل تشريعي أوسع؟

بحسب القاضي السابق نزيه الحكيم فإن الحكم كشف عن إشكالية تشريعية برزت بعد إنشاء هيئة الدواء المصرية، إذ لم يتدخل المشرّع لحسم مسألة توزيع الاختصاصات في المسائل التي تمس نطاق التجريم والعقاب، وهو ما أدى إلى تضارب في التطبيق.

ويرى الحكيم أن مجلس النواب بات مطالبًا بالتدخل لتعديل النصوص بشكل واضح وصريح، يحدد الجهة المختصة بتعديل جداول المخدرات، تجنبًا لتكرار مثل هذا الجدل الدستوري مستقبلًا.

ويؤكد أن السياسة الجنائية للدولة، مهما بلغت شدتها، يجب أن تقوم على أداة قانونية منضبطة، لأن أي خلل في مصدر التجريم قد يؤدي إلى انهيار البنيان الإجرائي برمته.

وتابع أن الحكم يطرح معادلة دقيقة بين ضرورة مكافحة المخدرات، خاصة المستحدثات الكيميائية سريعة الانتشار، وبين الالتزام الصارم بالضوابط الدستورية في سنّ قواعد التجريم.

وأكمل أن الدولة تملك حق التشديد في مواجهة الجرائم الخطيرة، لكن هذا الحق مقيد باحترام مبدأ الشرعية، وضمان أن تصدر قواعد التجريم عن الجهة المختصة ووفق التفويض المحدد.

وفي هذا السياق، يرى الحكيم أن المحكمة الدستورية العليا أعادت التأكيد على أن قوة الدولة لا تُقاس بصرامة العقوبة فقط، بل بسلامة بنيانها القانوني.

يذكر أن محكمة جنايات القاهرة الجديدة قررت تأجيل محاكمة المنتجة سارة خليفة و27 متهما آخرين في القضية المعروفة إعلاميا بـ"قضية المخدرات الكبرى"، لجلسة 28 فبراير الجاري، لاستكمال مرافعة دفاع المتهمين.