جيفري إبستين وظف "المال الحرام" لتوجيه مسارات البحث العلمي في "هارفارد"
كشفت صحيفة نيويورك تايمز تفاصيل صادمة تتعلق بعلاقة الملياردير الأمريكي جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، بعالم البحث العلمي، حيث وظف المال لتوجيه مسارات علمية حساسة بما يخدم نزواته الشخصية.
وكشف التحقيق أن إبستين لم يكتفِ بالتبرع بملايين الدولارات، بل انتحل شخصية "العالم المهووس" بالبحوث الجنسية، واستغل علاقاته مع علماء بارزين لبناء نفوذ داخل مؤسسات أكاديمية مرموقة مثل جامعة "هارفارد".
المال كمدخل إلى العلم
وقام إبستين بتمويل برنامج الديناميات التطورية في جامعة "هارفارد" عام 2003 بشيك قيمته 6.5 مليون دولار، ما جعله جزءا من المشهد العلمي داخل المؤسسة. لم يكن مجرد متبرع، بل زار المركز مرات عدة سنويا، وحدد اجتماعات مع أكاديميين بارزين، حتى صار المكتب رقم 610 يعرف باسم "مكتب جيفري". وكشفت وثائق وزارة العدل الأمريكية أن إبستين اهتم بشكل خاص بموضوع "الأساس الجيني للسلوك البشري"، وهو مجال يتقاطع مع أفكاره المتأثرة بعلم تحسين النسل.
علاقات مع علماء بارزين
ونشرت لجنة في الكونجرس نحو 20 ألف صفحة من رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بإبستين، لتكشف عن عمق علاقاته بعلماء بارزين. تبادل إبستين أكثر من 60 رسالة مع عالم الفيزياء لورانس كراوس، الذي استفاد من دعمه المالي لمشروع "أوريجينز" بجامعة ولاية أريزونا. كما أظهرت الوثائق تواصله مع الاقتصادي ووزير الخزانة السابق لورانس سامرز، واللغوي نعوم تشومسكي، الذي استمر في التواصل معه حتى بعد إدانته عام 2008. كذلك ورد اسم عالمة الفيزياء النظرية ليزا راندال، التي زارت جزيرته الخاصة عام 2014، وأعربت لاحقًا عن ندمها على استمرار التواصل معه.
معهد نواك ـ تفاصيل فضيحة أكاديمية
وأسس عالم الرياضيات الحيوية مارتن نواك برنامج الديناميات التطورية بتمويل مباشر من إبستين. مثّل البرنامج واجهة علمية لدراسة التطور البشري باستخدام الرياضيات، لكنه جذب انتقادات واسعة بسبب ارتباطه بالممول المدان. أغلقت جامعة "هارفارد" البرنامج عام 2021 بعد تدقيق داخلي، وفرضت عقوبات على نواك، لكنها رفعتها لاحقًا عام 2023. أثار هذا التساهل أسئلة حول نزاهة المؤسسات الأكاديمية عندما يتعلق الأمر بالمال والنفوذ.
دعارة بأسلوب علمي
أوضح خبراء أن إبستين حاول تحويل البحث العلمي إلى أداة لتبرير نزواته الجنسية. اهتم بعلم الأحياء الرياضية الذي يحاول تفسير الحياة عبر النماذج والمعادلات، وربط ذلك بدراسة الأمراض والأوبئة الجنسية. اقترح بعض العلماء، مثل ناثان وولف من جامعة "ستانفورد"، مشاريع بحثية تمولها أموال إبستين لدراسة السلوك الجنسي للطلاب الجامعيين، بما في ذلك فرضية "الفيروس المثير للشهوة الجنسية". هذه المشاريع أبرزت كيف استغل إبستين العلم لتغليف ممارساته غير القانونية بغطاء أكاديمي.
التأثير على نزاهة البحث العلمي
وكتبت مؤرخة العلوم نعومي أوريسكس عام 2020 أن قضية إبستين تقوض نزاهة البحث العلمي، لأنها تكشف كيف يمكن للأفراد الأثرياء توجيه مسارات البحث بما يناسب مصالحهم. وأظهر إبستين تفضيله للعلماء "المخالفين" للرأي السائد، وانتقد المؤسسات التي رفضت التعاون معه مثل مؤسسة "ماك آرثر". هذا السلوك يعكس خطورة النفوذ المالي على استقلالية البحث العلمي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بموضوعات حساسة مثل السلوك البشري والجينات.
أسرار دفنها الموت
انتحر إبستين عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة، أو قُتل وفق بعض الروايات، ما جعله يأخذ معه كثيرًا من أسرار حياته. رغم ذلك، كشفت الوثائق التي ظهرت لاحقًا عن شبكة علاقات واسعة مع علماء وأكاديميين، وعن محاولاته المستمرة للتأثير في مسارات البحث العلمي. أظهرت هذه الوثائق أن الرجل لم يكن مجرد مجرم جنسي، بل كان أيضًا ممولًا خطيرًا وظّف العلم لخدمة مصالحه الخاصة.
وأبرزت قضية إبستين كيف يمكن للمال أن يتغلغل في أوساط البحث العلمي ويشوّه أهدافه. لم يكن دعمه للبرامج العلمية بريئًا، بل كان وسيلة لتبرير نزواته وتوسيع نفوذه.
وأثارت الوثائق الأخيرة صدمة في الأوساط الأكاديمية والسياسية، لأنها كشفت عن علاقات غير متوقعة بين إبستين وعلماء بارزين، وأكدت أن نفوذه امتد إلى مؤسسات علمية مرموقة مثل "هارفارد". ومع استمرار الكشف عن مزيد من الوثائق، يظل السؤال قائمًا: كيف يمكن حماية نزاهة البحث العلمي من نفوذ المال المشبوه؟