خوارزميات "صيد الصغار".. لماذا ينجذب الأطفال إلى تحديات التريند الخطرة؟| خبراء يوضحون
يرى البالغون غالبية تحديات التريند المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي أفعالا طائشة وغير محسوبة، بينما يجد الأطفال والمراهقون فيها متعة قوية تجعلهم يتجاهلون الخطر. وسرعان ما تتحول فكرة عابرة على الإنترنت إلى فعل خطير عندما يقترن الفضول برغبة في الاعتراف الاجتماعي. يختبر الأطفال هذه التحديات بحثًا عن الإحساس بالانتماء أو إثبات الذات، ويصبح الشعور بالإثارة أهم من تقييم المخاطر، وفقًا لصحيفة جلف نيوز.
وانتشرت خلال السنوات الماضية تحديات رقمية خطرة هددت الصحة والحياة، منها تحدي الدجاج حيث قام المشاركون بطهي الدجاج في دواء السعال، مما تسبب في تركيز المواد الدوائية مع تبخر السائل، وأصبح استنشاق الأبخرة الناتجة عن الغليان خطرا شديدا على الصحة. وحذر الخبراء من أن المكونات النشطة في الشراب، مثل الأسيتامينوفين والدكستروميثورفان، يمكن أن تصبح شديدة السمية بجرعات مرتفعة، وأن مجرد استنشاق الأبخرة قد يعرض الصحة لمخاطر جدية.
كما ظهرت تحديات أخرى مثل تحدي قفص الطائر Bird Box المستوحى من فيلم نتفليكس، حيث قام المشاركون بدخول حركة المرور أو مواقف خطرة في الشوارع معصوبي العينين، وتحدي Blackout المعروف بلعبة الخنق، حيث يحرم الدماغ مؤقتًا من الأكسجين.
وانتشر تحدي الحوت الأزرق عالميًا عام 2016، واعتمد على سلسلة من المهام التصاعدية على مدار 50 يومًا، يزعم أنها انتهت بالانتحار أو إيذاء الذات. رغم أن التحقيقات لاحقا شككت في مدى انتشار هذا التحدي، إلا أن انتشاره عبر التريند والتغطية الإعلامية المكثفة كشفت عن مشكلة أعمق، وهي كيف يمكن للخوف والأسطورة والضعف النفسي أن تتقاطع عبر الإنترنت، مما يطمس الفاصل بين الترفيه الرقمي والأذى الفعلي.
ويعود جزء من انجذاب الأطفال والمراهقين إلى طبيعة الدماغ في مرحلة النمو. يظل دماغ الطفل في طور التطوير خلال الطفولة والمراهقة، ولا يكتمل الجزء المسؤول عن الحكم وضبط النفس وفهم العواقب الطويلة المدى، وهو القشرة الجبهية الأمامية، إلا حوالي سن 19 أو 20. في المقابل، تظل اللوزة الدماغية، المسؤولة عن الانفعالات والاستجابات الغريزية، نشطة بشكل خاص خلال المراهقة.
هذا يجعل القرارات مدفوعة بالعاطفة والتأثير الاجتماعي أكثر من المنطق. الأطفال والمراهقون الذين يعانون من الاكتئاب أو القلق أو الصدمات النفسية أو ضعف الشخصية يكونون أكثر عرضة للمشاركة في تحديات خطرة للتعبير عن ضيقهم النفسي أو الهروب من الألم العاطفي.
ويزداد الخطر إذا تعرض الطفل لمحتوى ضار على الإنترنت خلال هذه المرحلة التطورية، فتصبح فرص الانخراط في سلوكيات خطرة مرتفعة بشكل كبير. يشعر العديد من الأطفال بالعزلة أكثر من الأجيال السابقة، ويزيد التواصل الرقمي المستمر والمقارنة الاجتماعية والضغط للاندماج من انخفاض تقدير الذات والهشاشة العاطفية، مما يوفر أرضًا خصبة لتأثير تحديات الترند الخطرة.
تلعب الرغبة في الاعتراف والقبول الاجتماعي دورا أكبر من الاهتمام بالسلامة الشخصية.
ويلجأ الأطفال الذين يشعرون بالعزلة إلى المساحات الرقمية لتلبية حاجتهم للانتماء، ويصبح الانخراط في التحديات وسيلة للشعور بالملاحظة والتقدير. عندما يسيطر الاكتئاب أو اليأس العاطفي، قد يتجاهل الأطفال مخاطر السلامة، ليس رغبة في إيذاء الذات، بل لانعدام الشعور بالأمل أو الفائدة من المستقبل. يزداد الأمر تعقيدا بسبب ضغط الأقران من نفس الفئة العمرية المستمر على الإنترنت، ما يجعل التخلي عن تحدٍ شعورا بالفشل العلني والمشاركة شعورا بالمكافأة الاجتماعية الفورية.
وتبدأ معظم التحديات بسلوكيات تبدو بسيطة وجذابة، لكنها تتصاعد تدريجيا لتصبح طبيعة المخاطرة جزءا من السلوك المعتاد.
ولفت الخبراء إلى أن كل مستوى جديد من المخاطرة يقلل الإحساس بالخيار والقدرة على الانسحاب، ويخلق التزاما نفسيا واجتماعيا يجعل التوقف شبه مستحيل. يظهر التحول من الفضول إلى الامتثال في سلوك الطفل من خلال العلامات المبكرة مثل تغييرات المزاج، اضطراب النوم، الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية، التركيز المفرط على التفاعل الرقمي، وسرية الممارسات المتعلقة بما يشاهده أو ينشره على الإنترنت.
وتضاعف خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي هذا التعلق بالمكافآت الرقمية، إذ تظهر الإعجابات والمشاهدات بشكل غير متوقع، مما يجعل الأطفال يشعرون بأن استمرارهم في السلوك أمر ضروري للحفاظ على شعورهم بالقيمة. تصبح المكافآت الرقمية مهمة مثل الهواء، ويصبح رفض المشاركة صعبا للغاية.
ولا يكفي مجرد منع الأطفال أو التخويف لوقف هذه السلوكيات، بل يحتاج الأمر إلى علاقة مفتوحة وثقة حقيقية مع البالغين. يشعر الطفل بالأمان عندما يمكنه التعبير عن مخاوفه والتحدث عن تجاربه الرقمية دون خوف من العقاب أو الخجل، ويجد دعمًا عاطفيًا مستمرًا يقلل حاجته للبحث عن الاعتراف في التحديات الخطرة.
ويساعد الانشغال بأنشطة واقعية مثل الرياضة والفنون والعمل التطوعي على بناء شعور بالقيمة الذاتية بعيدا عن الإعجابات الرقمية. تمنح هذه الأنشطة الأطفال القدرة على التعبير عن أنفسهم بطريقة آمنة وتقلل من تأثير التحديات الخطرة.
تظل أكثر أشكال الوقاية فاعلية هي تعزيز الثقة بالنفس والطمأنينة: الطفل لا يحتاج إلى المخاطرة بحياته ليشعر بالقيمة أو أن العالم يراه ويعترف بوجوده.
ويوفر هذا الأساس حماية قوية عند تقاطع نمو الدماغ مع الإغراءات الرقمية والضغط الاجتماعي، ويمنح الطفل القدرة على مواجهة عالم رقمي مستمر في دفع الأطفال والمراهقين إلى الحدود القصوى للمغامرة أيا كانت المخاطر ذات الصلة.