الخميس 05 فبراير 2026 الموافق 17 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

مقايضة "الرقائق بالمعادن".. بكين تتراجع وواشنطن تفتح باب التصدير

الرئيس نيوز

تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة والصين مرحلة دقيقة تجمع بين التنافس الاستراتيجي ومحاولات التهدئة السياسية، مع اقتراب قمة مرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ. ورغم التصعيد اللفظي الذي طبع بداية ولاية ترامب الثانية، خاصة في الملفات التجارية والتكنولوجية، فإن الأشهر الأخيرة أظهرت توجها نحو إدارة الخلاف بدلا من تفجيره، ما فتح الباب أمام نقاشات حول إمكانية تحقيق اختراق محدود في ملفات حساسة مثل العقوبات وحقوق الإنسان ضمن تفاهمات أوسع بين القوتين.

وترجح مجلة ناشيونال إنترست الأمريكية أنه في بداية المرحلة الجديدة من العلاقات، بدت المواجهة الاقتصادية حتمية، خصوصا مع تهديدات سابقة بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات الصينية، واتهامات أمريكية لبكين باستغلال النظام التجاري العالمي. إلا أن السياسة الفعلية اتجهت لاحقا إلى مسار أكثر براغماتية، حيث فرضت واشنطن زيادات محدودة نسبيا على الرسوم، بينما سعت الإدارة الأمريكية إلى إبقاء قنوات التعاون مفتوحة في مجالات التكنولوجيا وسلاسل التوريد، في محاولة لتحقيق توازن بين الردع الاقتصادي وتجنب صدام شامل بين أكبر اقتصادين في العالم. 

في هذا السياق، برزت مؤشرات تهدئة متبادلة، إذ سمحت واشنطن بتصدير بعض الرقائق الإلكترونية المتقدمة المصممة للسوق الصينية بشروط محددة، في حين تراجعت بكين عن تهديدات سابقة بوقف تصدير المعادن النادرة التي تعتمد عليها الصناعات التكنولوجية والعسكرية الأمريكية، كما وافقت على زيادة مشترياتها من منتجات زراعية أمريكية. هذه الخطوات عكست إدراكا مشتركا بأن التصعيد غير المنضبط يحمل مخاطر اقتصادية كبيرة للطرفين، خاصة في ظل تباطؤ الاقتصاد الصيني وتحديات النمو العالمية. 

ورغم هذا التحسن النسبي، يرى بعض المحللين أن أي تقدم حقيقي في العلاقات يحتاج إلى بادرة سياسية ذات طابع رمزي، خصوصا في ملف حقوق الإنسان الذي ظل أحد أبرز مصادر التوتر بين البلدين. ويطرح هذا الطرح فكرة تبادل غير مباشر، تقوم فيه بكين باتخاذ خطوات إنسانية تجاه بعض المعارضين أو النشطاء، مقابل مراجعة أمريكية جزئية لبعض العقوبات المفروضة على مسؤولين صينيين على خلفية أحداث هونغ كونغ عام 2019، بما يسمح للطرفين بتسجيل مكسب سياسي دون تقديم تنازلات استراتيجية كبرى. 

ويبرز اسم رجل الإعلام المؤيد للديمقراطية، جيمي لاي، كأحد أبرز الملفات المطروحة في هذا السياق، بعدما تحول إلى رمز دولي للجدل حول مستقبل الحريات في هونغ كونغ عقب إدانته بقضايا تتعلق بالأمن القومي. ويرى أنصار فكرة التبادل أن السماح بخروجه أو تخفيف الإجراءات بحقه قد يشكل إشارة تهدئة قوية، خاصة أن مثل هذه الخطوات سبق أن استخدمت تاريخيا لتخفيف الاحتقان السياسي بين واشنطن وبكين دون أن تعني تغييرا جذريا في سياسات أي من الطرفين. 

في المقابل، تبقى هذه السيناريوهات معقدة بسبب حساسية الملفات السيادية بالنسبة للصين، التي تعتبر قضايا الحوكمة وحقوق الإنسان شأنا داخليا غير قابل للمساومة، بينما تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطا داخلية تحول دون تقديم تنازلات تبدو وكأنها تراجع عن مواقف سابقة. ومع ذلك، تشير القراءة الواقعية لمسار العلاقات إلى أن الطرفين يسعيان إلى استقرار نسبي يضمن استمرار التنافس دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والديموغرافية التي تواجه الصين، والحاجة الأمريكية إلى إدارة التنافس طويل المدى بطريقة قابلة للاستدامة، وفقا للمجلة الأمريكية.