هوليوود داخل شبكة إبستين.. الوثائق المسربة تضع المخرج بريت راتنر في قلب الفضيحة (صورة)
في واحدة من أكثر اللحظات إحراجا لهوليوود في السنوات الأخيرة، أعادت دفعة جديدة من وثائق جيفري إبستين المسربة اسم المخرج الأمريكي بريت راتنر إلى واجهة الجدل العالمي، بعد نشر صورة له وهو يحتضن امرأة شابة بحضور الممول المدان بالاعتداءات الجنسية.
وقالت هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، إن الصورة، التي ظهرت ضمن ملايين الصفحات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، لا تتضمن اتهاما مباشرا، لكنها جاءت في توقيت سياسي وثقافي بالغ الحساسية، جعل دلالاتها تتجاوز إطارها البصري إلى أسئلة أعمق حول الشبكات الخفية للنفوذ والسكوت داخل النخب الغربية.
ولم يكن راتنر، المعروف بإخراج أفلام جماهيرية ضخمة مثل Rush Hour وX-Men: The Last Stand، إلا أحد رموز السينما التجارية التي حققت مليارات الدولارات. غير أن مسيرته توقفت عمليا منذ 2017، عقب اتهامات متعددة بسوء السلوك الجنسي تزامنت مع ذروة حركة “MeToo”، ما دفعه إلى الاختفاء شبه الكامل عن المشهد الفني.
صورة بلا تاريخ… لكنها محملة بالمعنى
لكن الوثائق القضائية لم تحدد تاريخ التقاط الصورة، إلا أنها تشير إلى أنها التقطت في موقع سبق أن ظهر فيه إبستين مرارا إلى جانب جان-لوك برونيل، وكيل العارضات الفرنسي الذي وجهت إليه اتهامات بتسهيل استغلال الفتيات القاصرات لصالح إبستين، قبل أن يعثر عليه ميتا في زنزانته بباريس عام 2022 في واقعة وصفت رسميا بالانتحار، لكنها ظلت محل شك واسع في الصحافة الأوروبية.
ووجود راتنر في هذا السياق، حتى دون إثبات تورطه، يضعه ضمن دائرة التدقيق الإعلامي، لأن قضية إبستين لم تعد تقرأ من زاوية الجريمة الفردية، بل باعتبارها شبكة علاقات اجتماعية معقدة استخدمت المال والشهرة والوجاهة كدرع حماية لسنوات طويلة، وفقا لبي بي سي نيوز.
توقيت سياسي وثقافي بالغ الحساسية
اللافت إلى أن نشر الصورة تزامن مع عرض فيلم وثائقي جديد من إخراج راتنر عن ميلانيا ترامب، وهو أول عمل له منذ سنوات الإقصاء غير الرسمي من هوليوود. الفيلم، الذي يتناول حياة السيدة الأولى الأمريكية السابقة خلال فترة مفصلية قبل تنصيب زوجها، قدم بوصفه محاولة لإعادة تقديم ميلانيا بصورة أكثر استقلالية وتأثيرا.
غير أن الصحافة البريطانية والأمريكية تعاملت مع العمل بحذر شديد، معتبرة أن عودة راتنر نفسها تمثل إشكالية أخلاقية، قبل أن تأتي صور إبستين لتضاعف الجدل. هكذا تداخلت السياسة مع الفن، والوثائقي مع الفضيحة، ليصبح العمل الفني نفسه جزءا من معركة رمزية أوسع حول من يملك حق “العودة” ومن يسمح له بإعادة رسم صورته العامة، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.

هوليوود داخل شبكة إبستين
وكشفت الوثائق الأخيرة أن علاقة إبستين بعالم السينما لم تكن هامشية. فقد وردت أسماء شخصيات بارزة من الوسط الثقافي والفني في سياقات مختلفة، من حضور مناسبات اجتماعية إلى مراسلات غير مباشرة. من بين هذه الأسماء المخرجة العالمية ميرا ناير، التي ذكرت في سياق مشاركتها فعاليات استضافتها جيسلين ماكسويل، الشريكة الرئيسية لإبستين، دون توجيه أي اتهام.
كما ظهر اسم المنتج الأمريكي ستيف تيش، الحائز على الأوسكار، في مراسلات بريد إلكتروني، ما يعكس اتساع دائرة التواصل التي بناها إبستين داخل صناعة الترفيه، إلى جانب السياسة والمال، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.
ما الذي تكشفه الصورة؟
يبدو أن القضية لم تعد مرتبطة بإثبات إدانة قانونية بقدر ما تتعلق بكشف نمط متكرر: شخصيات نافذة، علاقات اجتماعية مغلقة، وصمت طويل سمح لشبكة إبستين بالاستمرار لعقود. الصورة التي ظهر فيها راتنر لا تدين بحد ذاتها، لكنها تعيد طرح سؤال محوري: كيف تداخلت الشهرة مع النفوذ إلى درجة أصبح فيها القرب من شخصية مثل إبستين أمرا “طبيعيا” داخل دوائر معينة؟
وبالنسبة لهوليوود، تمثل هذه الوثائق ضربة جديدة لصورتها الأخلاقية، خصوصًا في ظل خطابها العلني الداعم لضحايا الانتهاكات. أما بالنسبة لراتنر، فإن الصورة تعقد أي محاولة للعودة النظيفة، وتؤكد أن الماضي في عصر الوثائق المفتوحة لا يختفي، بل ينتظر لحظة الانكشاف.
وأضافت بي بي سي نيوز أن صورة واحدة في ملفات إبستين كانت كافية لإعادة فتح ملف مخرج حاول استعادة موقعه عبر عمل وثائقي سياسي الطابع. ووسط تداخل الفن بالسياسة، والوثائقي بالفضيحة، تكشف هذه الحلقة الجديدة أن قضية إبستين لم تغلق بعد، وأن تداعياتها لا تزال قادرة على زلزلة أسماء كبيرة في هوليوود وخارجها؛ فالقضية لم تعد تدور حول من ارتكب الجريمة، بل من كان جزءا من الصمت.