عودة تدريجية لحركة الملاحة بقناة السويس بعد التوترات الأمنية الأخيرة
تشهد قناة السويس خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات واضحة على انتعاش تدريجي في حركة الملاحة، بعد فترة طويلة من التراجع الحاد فرضته التوترات الأمنية في البحر الأحمر والهجمات التي استهدفت سفن الشحن منذ نهاية عام 2023.
وذكرت مجلة كونتينر نيوز أن هذا التحسن يأتي في وقت تعيد فيه كبرى خطوط الشحن العالمية تقييم مساراتها التجارية، وتدرس العودة التدريجية للعبور عبر القناة باعتبارها المسار الأقصر والأكثر كفاءة بين آسيا وأوروبا، بعد أشهر من الالتفاف المكلف حول رأس الرجاء الصالح، بحسب تقارير متخصصة في قطاع النقل البحري نشرتها منصات غربية معنية بصناعة الحاويات والشحن البحري.
وتشير بيانات أولية صادرة عن جهات ملاحية دولية إلى أن عددا متزايدا من السفن، خاصة سفن الحاويات والناقلات العملاقة، بدأ بالفعل في العودة لعبور قناة السويس، مدفوعا بانخفاض نسبي في مستويات المخاطر مقارنة بالأشهر الماضية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المتراكمة على شركات الشحن نتيجة طول الرحلات وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين.
وتؤكد المجلة المتخصصة في شؤون الشحن أن بعض الخطوط الملاحية أعادت تشغيل خدمات محدودة عبر البحر الأحمر كمرحلة اختبار، تمهيدا لاتخاذ قرارات أوسع خلال الربع الأول من العام، إذا استمر الوضع الأمني دون تصعيد كبير.
هذا الانتعاش في القناة لا ينفصل عن تغيرات أوسع في خريطة سلاسل الإمداد العالمية، حيث تواجه الشركات ضغوطا متزايدة من العملاء والمصنعين لإعادة الالتزام بجداول التسليم التقليدية بعد فترة من الاضطراب.
وأشارت إلى أن استمرار الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح أدى إلى اختناقات غير مسبوقة في أساطيل الشحن، وتسبب في نقص الحاويات الفارغة في أسواق رئيسية، ما جعل العودة إلى قناة السويس خيارا اقتصاديا لا يمكن تجاهله على المدى المتوسط.
غير أن عودة حركة الشحن عبر قناة السويس تفتح في المقابل بابا جديدا من التحديات، لا سيما بالنسبة للموانئ الأوروبية التي تستعد لاستقبال موجة متزايدة من السفن بعد أشهر من تدفقات غير منتظمة.
وتحذر تقارير غربية من أن الموانئ في شمال أوروبا وغرب البحر المتوسط قد تواجه مخاطر ازدحام حاد، نتيجة وصول عدد كبير من السفن في فترات زمنية متقاربة، خاصة إذا قررت عدة خطوط شحن إعادة تشغيل خدماتها عبر القناة في وقت واحد.
ويخشى خبراء لوجستيون من أن يؤدي ذلك إلى تأخيرات في التفريغ والتحميل، وارتفاع تكاليف التخزين والنقل البري، ما قد يعيد جزئيا مشكلات سلاسل الإمداد التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا.
وتلفت تقارير صادرة عن منصتي كونتينر نيوز، وكونتينر منجمنت المتخصصتين في أخبار الموانئ إلى أن البنية التحتية في عدد من المرافئ الأوروبية لا تزال تعاني من ضغوط مزمنة، سواء من حيث نقص العمالة أو محدودية الساحات التخزينية، وهو ما يجعلها أقل جاهزية للتعامل مع عودة مفاجئة وكثيفة لحركة الحاويات.
وفي السياق، تحاول سلطات الموانئ وشركات التشغيل وضع خطط طوارئ، تشمل تمديد ساعات العمل وتحسين التنسيق مع شركات النقل البري والسكك الحديدية، لتخفيف حدة الازدحام المتوقع مع استعادة قناة السويس لدورها المحوري في التجارة العالمية.
من جهة أخرى، ينظر إلى انتعاش قناة السويس باعتباره مؤشرا مهما على تعافي تدريجي في أحد أهم شرايين التجارة الدولية، حيث تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الحاويات والطاقة.
وتؤكد مجلة كونتينر نيوز أن القناة تظل خيارا لا غنى عنه لشركات الشحن على المدى الطويل، مهما بلغت حدة الأزمات الأمنية المؤقتة، نظرا لما توفره من وقت وتكلفة مقارنة بالمسارات البديلة.
ولكن مجلة كونتينر منجمنت تشدد في الوقت نفسه على أن استدامة هذا الانتعاش تظل مرهونة بعوامل أمنية وجيوسياسية معقدة، في مقدمتها مستقبل الاستقرار في البحر الأحمر وقدرة القوى الدولية على منع عودة الهجمات التي تسببت في الاضطراب السابق.
وتعكس العودة التدريجية للسفن إلى قناة السويس مرحلة انتقالية دقيقة في حركة التجارة العالمية، تجمع بين فرص التعافي ومخاطر الاختناق. فبينما تستعيد القناة جزءا من دورها الاستراتيجي، تستعد الموانئ الأوروبية لاختبار صعب قد يعيد طرح شكوك فنية حول مرونة سلاسل الإمداد وقدرتها على التكيف مع الصدمات الجيوسياسية المتلاحقة.