ليلة "الدفاع عن الاستقلال".. تفاصيل "خطة التعيينات الجديدة" التي هزت أركان نادي القضاة
في واحدة من أكثر الليالي توترا واحتقانا داخل الوسط القضائي خلال السنوات العشرة الأخيرة، تحول مقر نادي قضاة مصر، مساء الأربعاء الماضي، إلى ما يشبه غرفة طوارئ مفتوحة، مع تدفق كثيف وصل إلى ألاف القضاة من مختلف المحافظات، للمشاركة في اجتماع طارئ دعي إليه على عجل، على خلفية ما وصفه النادي بـ"أمر جسيم" يمس جوهر استقلال القضاء وطريقة إدارته لشؤونه.
وبحسب ما رصده "الرئيس نيوز"، فإن حجم الإقبال على الاجتماع فاق التقديرات، ووصف بأنه الأكبر منذ عام 2013، حيث امتلأت القاعات الرئيسية عن آخرها، واضطر مجلس إدارة النادي إلى تفعيل نظام البث عبر "الفيديو كونفرانس"، مع تثبيت شاشات عملاقة في الحديقة الخارجية وأروقة متعددة داخل المقر، إلى جانب تركيب مكبرات صوت خارجية، لتمكين الحضور من متابعة المناقشات، في مشهد عكس حالة قلق وغضب غير مسبوقة داخل الصف القضائي.
وبدأ الاجتماع فعليا بعد الساعة الخامسة مساء، رغم تحديد الرابعة موعدا مبدئيا لانعقاده، لإتاحة الفرصة أمام القضاة القادمين من الأقاليم والمحافظات، بعد حشد واسع جرى عبر أندية القضاة الفرعية، في إشارة عكست الرغبة في مشاركة أوسع قاعدة ممكنة من أعضاء الهيئات القضائية.
وخلال الاجتماع، جرى استعراض تطورات الأزمة وما يتداول داخل الأوساط القضائية من معلومات وتسريبات بشأن قرارات وشيكة تتعلق بإعادة هيكلة منظومة التعيينات والترقيات، ونقل اختصاصات محورية من جهات قضائية راسخة إلى الأكاديمية العسكرية للتدريب، وهو ما اعتبره قضاة كثيرون مساسا مباشرا بالدور الدستوري لمؤسسات مثل التفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى.
ووفق ما رصده "الرئيس نيوز"، ساد توافق شبه كامل بين القضاة الحاضرين على خطورة ما يجري، وضرورة عدم التعاطي معه بوصفه مجرد شائعات أو ترتيبات إدارية عابرة، إلا أن الخلاف تمحور حول توقيت عقد الجمعية العمومية الطارئة، باعتبارها الأداة الأهم لاتخاذ موقف جماعي واضح.
في هذا السياق، طرح مقترح بعقد الجمعية العمومية يوم 23 يناير الجاري، استنادا إلى أن سرعة التحرك قد تحول دون أي محاولات لإجهاضها أو الطعن عليها قضائيا، في المقابل، دافع فريق آخر عن ضرورة إرجاء الجمعية لمدة أسبوعين، لتنعقد في 6 فبراير المقبل، بهدف فتح نافذة أخيرة لمسار تفاوضي قد يجنب التصعيد المباشر.
دعوات لتشكيل لجنة حكماء
وبرر أنصار هذا الطرح موقفهم بالحاجة إلى تشكيل لجنة تفاوضية من "الحكماء" داخل نادي القضاة، تتولى التواصل مع مجلس القضاء الأعلى، ونقل المخاوف بشكل رسمي، وفتح قنوات اتصال مع الأطراف المعنية، أملا في احتواء الأزمة أو تعديل القرارات محل الجدل.
في المقابل، حذر معارضو هذا التوجه من أن إطالة أمد الأزمة قد تفتح الباب أمام انقسامات داخل الجسم القضائي، أو تمنح فرصة لتحريك دعاوى قضائية تستهدف تعطيل الجمعية العمومية أو إلغائها، معتبرين أن عقدها سريعا يمثل "خط الدفاع الأول" عن استقلال السلطة القضائية.
تصويت حاسم وقرار بالأغلبية
وبعد مناقشات مطولة اتسمت في بعض لحظاتها بالحدة، جرى اللجوء إلى التصويت، حيث حسمت الأغلبية قرارها بالموافقة على عقد جمعية عمومية طارئة يوم 6 فبراير المقبل، لبحث تداعيات "الأمر الجسيم" والخيارات التصعيدية الممكنة، مع التأكيد على بقاء نادي القضاة في حالة انعقاد دائم لحين اتضاح مصير الأزمة.
تسريبات تعيد رسم خريطة القضاء
وتأتي هذه التحركات في أعقاب تسريبات، حصل "الرئيس نيوز" على تفاصيلها، بشأن حزمة قرارات أعادت رسم خريطة التعيينات والترقيات داخل القضاء والنيابة العامة، دون صدور إعلان رسمي جامع حتى الآن.
وبحسب ما أُبلغت به جهات قضائية مختلفة، فإن هذه القرارات تضمنت إلغاء جميع مقابلات التفتيش القضائي الخاصة بتعيينات النيابة العامة، وإسناد كامل إجراءات التعيين إلى الأكاديمية العسكرية، مع إلزام المتقدمين بالخضوع لدورة تدريبية لمدة 6 أشهر كشرط أساسي للتعيين.
كما شملت التسريبات إلغاء الدور التقليدي لمجلس القضاء الأعلى في التعيينات والترقيات، وقصر الترقيات مستقبلا على من يجتاز دورات إضافية بالأكاديمية العسكرية، إلى جانب إلغاء إدارة التعيينات بمكتب النائب العام، وبدء تطبيق نظام الترقيات الجديد اعتبارا من العام المقبل، مع محاولات لعدم سريانه بأثر رجعي على دفعة 2012.
بيان حذر بلغة لافتة
وفي خضم هذه الأجواء، أعلن نادي القضاة، عبر بيان داخلي نشر على المجموعة الرسمية للنادي، حالة الانعقاد الدائم، ودعا إلى الاجتماع الطارئ.
وجاء البيان بصياغة حذرة، لكنه حمل دلالات قوية، إذ وصف ما يجري بـ"الأمر الجسيم، وأكد أن مجلس الإدارة يتابع التطورات "بدقة ومسؤولية، دون إفراط أو تفريط"، متعهدا بالدفاع عن القضاء واستقلاله حال ثبوت ما يثار.
ويؤكد قضاة أن هذه اللغة لا تستخدم داخل النادي إلا في الأزمات الكبرى التي تمس كيان السلطة القضائية ذاته.
تسجيلات صوتية ومنشورات تشعل الجدل
وعقب البيان، جرى تداول تسجيل صوتي لأحد القضاة، حصل "الرئيس نيوز" عليه، حذر فيه من خطورة المعلومات المتداولة حال ثبوتها، مشيرا إلى اجتماع قيل أن قد حضره رؤساء الجهات القضائية، جرى خلاله الحديث عن إلغاء دفعات تعيين سابقة وفتح مسار موحد للتقديم عبر جهة واحدة، استنادا إلى ما وصف بـ"توجيهات عليا".
كما ساهم تداول منشورات داخل مجموعات قضائية مغلقة، من بينها "تقديمات الهيئات القضائية" و"رابطة استقلال القضاء"، في تصعيد حالة الغضب، خاصة مع حديثها عن إنهاء دور التفتيش القضائي وإعادة تشكيل منظومة التعيين والترقية بالكامل.