الجمعة 16 يناير 2026 الموافق 27 رجب 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

بين الحقيقة والخداع الاستراتيجي.. أسباب إرجاء ترامب الضربة العسكرية لإيران

الرئيس نيوز

بعد أن بلغت حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط ذروتها ووسط حالة تأهب استعدادا لتوجيه ضربة لإيران كان هناك شبه إجماع على أنها خلال ساعات، تراجعت تلك المؤشرات فجأة وسادت حالة من الهدوء النسبي وسط تقارير عن تجميد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خططه في هذا الصدد ولو مؤقتا.

فالرئيس الذي سوق على مدار الأيام الماضية لحجة التحرك ضد النظام الحاكم في إيران بدافع سخطه من قتل المتظاهرين، تحدث عن تلقيه معلومات عن تراجع السلطات الإيرانية عن نهجها في التعامل مع المظاهرات التي تشهدها البلاد منذ أواخر الشهر الماضي احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية وانهيار قيمة العملة المحلية.

وبعيدا عن مدى واقعية السبب الذي يرى ترامب أنه يخول له التدخل عسكريا في دولة أخرى من عدمه وتصرفه من منطلق أنه شرطي العالم الذي يمتلك كل الصلاحيات اللازمة لفعل ما يشاء ووقتما يشاء، يجد البعض أن مثل هذا التساؤل هو الذي يبدو غريبا بالنظر لما فعله الرئيس الأمريكي مطلع العام الجاري عندما وجه اتهامات، لم يقدم دليلا عليها لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، ونصب نفسه قاضيا ليطبق القانون عليه ويرسل جيشه ليعتقله من عقر داره.

ومن هنا تطرح العديد من علامات الاستفهام بشأن حقيقة تجميد ترامب المفاجئ لخططه للقيام بعمل عسكري ضد إيران وكذلك الأسباب التي دفعته لذلك، وهل يمكن أن تندرج التقارير الصادرة في هذا الصدد تحت عنوان الخداع الاستراتيجي على غرار ما فعلت إدارته قبل الضربة السابقة لإيران في يونيو الماضي، وتفاجئ الولايات المتحدة العالم بعمل عسكري خاطف خلال الساعات المقبلة.

إعلام إسرائيلي: الضربة واقعة لا محالة

وفي هذا السياق، ذكرت القناة الثالثة عشرة الإسرائيلية أن الولايات المتحدة أجلت هجومها على إيران وأن الضربة واقعة لا محالة، وفقا لتقديرات تل أبيب، مشيرة إلى أن حالة التأهب القصوى في إسرائيل لا تزال مستمرة، بينما أفادت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية بأن المنظومة الأمنية الإسرائيلية لا تتوقع أن "يفوق الرد الإيراني المحتمل (حال تنفيذ الضربة) ردها في الحرب السابقة".

وفي غضون ذلك، تواترت العديد من التقارير الصحفية والإعلامية عن الأسباب الحقيقية لتأجيل الضربة، والتي تباينت بين نصائح من مساعدي ترامب ومخاوف إسرائيلية، إلى دعوات من قبل بعض القوى الإقليمية لإعطاء فرصة للحوار قبل التصعيد.

وبعد تطورات متلاحقة خلال اليومين الماضيين شهدت إغلاق مجالات جوية ومقار دبلوماسية وإجلاء العاملين فيها وتحذيرات من السفر لعدد من دول المنطقة وأخرى للمغادرة فورا، جاءت تقارير تأجيل العمل العسكري.

وتحت عنوان تأجيل الضربات الإيرانية في ظل مخاوف مساعدي ترامب وإسرائيل، أسهب موقع أكسيوس الإخباري في سرد تفاصيل الساعات الأخيرة. ونقل الموقع عن خمسة مصادر أمريكية وإسرائيلية وعربية وصفها بالمطلعة على الوضع، أن البيت الأبيض يجري مشاورات داخلية ومع حلفائه حول توقيت مثل هذه العملية وما إذا كانت ستؤدي إلى زعزعة استقرار النظام الإيراني بشكل كبير.

ورأى أكسيوس أن الخيار العسكري لا يزال مطروحا بقوة على الطاولة، "لكن قرار ترامب بالتوقف مؤقتا كشف عن حالة من عدم اليقين العميق (داخل الإدارة وبين الحلفاء) بشأن مخاطر شن ضربة عسكرية لمعاقبة إيران ربما تؤدي في الوقت نفسه إلى رد انتقامي كبير".

وأضاف الموقع الإخباري الأمريكي أنه بينما يأخذ ترامب الوقت الكافي للنظر في الخيارات الدبلوماسية، يقوم الجيش الأمريكي بإجلاء القوات من قواعده في الشرق الأوسط وإرسال تعزيزات إلى المنطقة، بما في ذلك حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها الضاربة، ونقل عن مصدر أمريكي مطلع أنه في حين أن الضربة "لا تبدو وشيكة في الوقت الحالي، يعلم الجميع أن الرئيس يبقي إصبعه على الزناد".

نتنياهو طلب من ترامب منح إسرائيل وقتا للاستعداد

وركز أكسيوس على الموقف الإسرائيلي من التطورات الأخيرة، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث هاتفيا إلى ترامب يوم الأربعاء وطلب منه الانتظار لمنح إسرائيل مزيدا من الوقت للاستعداد لرد انتقامي محتمل من إيران، وفقا لثلاثة مصادر أمريكية ومصدر إسرائيلي واحد.

وقال مصدر إسرائيلي إنه بالإضافة إلى المخاوف من الانتقام، فإن الخطة الأمريكية الحالية تتضمن ضربات لمواقع تابعة لقوات الأمن في إيران، لكن إسرائيل لا تعتبرها قوية أو فعالة بما يكفي لزعزعة استقرار النظام بشكل ملموس، وفقا لأكسيوس الذي ألقى الضوء على أن معظم الرسائل الصادرة عن واشنطن ربما تهدف إلى زيادة حالة عدم اليقين إلى أقصى حد وربما إرباك إيران، كما كان الحال عندما قصفت الولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية العام الماضي، موضحا أن القرارات في البيت الأبيض تتخذ من قبل مجموعة صغيرة للغاية من كبار المسؤولين في إدارة ترامب.

ونقل عن أحد المصادر الأمريكية تحذيرها من أن "الرئيس لا يستبعد أي خيار، سواء الآن أو في المستقبل. لا ينبغي للناس أن يحاولوا حصره في خيارات محددة... إنه يحب الحفاظ على خياراته مفتوحة، ومن سمات نهجه أنه مستعد للتحدث مع أي شخص في أي وقت".

وقال مسئول أمريكي آخر إنه من السابق لأوانه القول بشكل قاطع إن البيت الأبيض يتجه نحو نهج تخفيف التوتر، مضيفا أن الرئيس "لا يزال يدرس الخيارات ويراقب تطور الوضع".

وبينما لم تستبعد إدارة ترامب الخيارات العسكرية المختلفة، اتخذت الولايات المتحدة المزيد من الخطوات لزيادة الضغط السياسي والاقتصادي على النظام الإيراني، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن فرض عقوبات اقتصادية على مسؤولين أمنيين إيرانيين وشبكات مصرفية، على خلفية قمع الاحتجاجات، شملت الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وهو أحد المقربين من المرشد الإيراني علي خامنئي.

كما تم فرض عقوبات على العديد من قادة قوات الأمن الداخلي الإيرانية والحرس الثوري، بالإضافة إلى كيانات تابعة لشبكة "بنوك الظل" الإيرانية.

تخفيف التوترات في الخليج

ورأت صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية أن الجهود الدبلوماسية المكثفة لإقناع الرئيس الأمريكي بعدم شن هجوم على إيران، بما في ذلك الاتصالات بين إيران والإدارة الأمريكية، أسفرت عن تخفيف التوترات في الخليج، وفقا لثلاثة أشخاص مقربين من الحكومات العربية.

وأضافت أن دولا بالمنطقة، بما في ذلك السعودية وتركيا وقطر وعمان ومصر، حثت البيت الأبيض على ضبط النفس، محذرة من الأضرار المحتملة التي قد تلحق بجيران إيران في حالة شن الولايات المتحدة هجوما عليها، بما في ذلك ارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية.

ونقلت الصحيفة عن مسئول عربي، لم تسمه، أن "الأمور هدأت في الوقت الحالي... تمنح الولايات المتحدة وقتا لإجراء محادثات مع إيران ولرؤية إلى أين ستصل الأمور". وأضاف أن "الآمال تتزايد في أن يؤدي التواصل بين البلدين، الذي ربما ساعدت فيه أطراف ثالثة مثل روسيا أو سلطنة عمان، إلى مزيد من المحادثات في الأيام المقبلة".

وسرعان ما ألقى تراجع مؤشرات توجيه ضربة لإيران بظلاله على الأسواق، حيث انخفضت أسعار النفط العالمية، بعدما أصبح المتداولون أقل قلقا بشأن احتمال قيام طهران باتخاذ إجراءات عسكرية تحد من إنتاجها أو ردها على طرق إمدادات التصدير عبر مضيق هرمز.