لوموند ويكلي: ظروف العملية الأمريكية في فنزويلا غير متوفرة في إيران
نشرت صحيفة لوموند الفرنسية مقابلة حصرية أجرتها المراسلة غزال جلشيري مع المحلل السياسي الإيراني حمزة صفوي، نجل أحد كبار المستشارين العسكريين للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تناولت أبعاد وتداعيات عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل القوات الأمريكية في كاراكاس مطلع يناير 2026.
واستهل صفوي حديثه بالإشارة إلى أن العملية الأمريكية في فنزويلا تمثل ترجمة ميدانية لعودة "عقيدة مونرو" في السياسة الخارجية لواشنطن، والتي تهدف إلى استعادة الهيمنة المطلقة على أمريكا اللاتينية وتطهيرها من النفوذ الإيراني والروسي والصيني.
وأوضح أن وثيقة الأمن القومي الأمريكي الجديدة أعادت ترتيب الأولويات الجيوسياسية بحيث أصبحت القارة اللاتينية ساحة تدخل مباشر، في حين تراجع الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط وصنف التهديد الإيراني ضمن خانة التهديدات "الضعيفة" التي لا تستوجب مواجهة عسكرية شاملة تتعارض مع المذهب الاستراتيجي الحالي لواشنطن.
وفي معرض مقارنته بين السياقين الفنزويلي والإيراني، أكد صفوي أن الظروف التي سمحت بتنفيذ ما يشبه "عملية جراحية دقيقة"، على حد عبارته من أجل اعتقال رئيس الدولة في كاراكاس تظل غير متوفرة بتاتا في الحالة الإيرانية. وأرجع ذلك إلى القوة الردعية التي تمتلكها طهران، بالإضافة إلى الطبيعة المؤسسية المعقدة للنظام الإيراني التي تحول دون حدوث خروقات أمنية مشابهة لتلك التي أدت لسقوط مادورو.
كما كشف المحلل الإيراني خلال المقابلة عن وجود نقاشات داخل أروقة النخبة السياسية في طهران تتعلق بسيناريوهات الخلافة والتوجه نحو سياسات أكثر براجماتية، مستدركا بأن هذه التحولات الداخلية لا تعني بأي حال من الأحوال ضعفا يسمح بتكرار السيناريو الفنزويلي. واختتم صفوي تحليله بالتأكيد على أن واشنطن تدرك تماما الفوارق الجوهرية بين "الحديقة الخلفية" في أمريكا الجنوبية وبين العمق الاستراتيجي الإيراني في الشرق الأوسط، ما يجعل محاولة استنساخ التجربة في طهران أمرا مستبعدا ومحفوفا بالمخاطر الكارثية.
وتجمع التحليلات الصادرة عن معهد دراسات الحرب (ISW) ومركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS) على أن الفارق الجوهري بين فنزويلا وإيران يكمن في "بنية الولاء العسكري". فبينما يعتمد النظام الفنزويلي على ولاء قيادات الجيش التي غالبا ما تتاثر بالضغوط الاقتصادية أو الانشقاقات في الأزمات الكبرى، يمتلك النظام الإيراني مؤسسة "الحرس الثوري" التي تعمل كجيش مواز عقائدي يمتلك استقلالية مالية وعسكرية تامة وتغلغلا عميقا في مفاصل الدولة.
وتجعل هذه البنية من أي عملية استهداف للرأس السياسي (مثل المرشد الأعلى) صعبة التنفيذ دون الاصطدام بجيش عقائدي مجهز لحروب العصابات والحروب غير المتكافئة، وهو ما يفتقر إليه نظام مادورو الذي اعتمد بشكل أكبر على الميليشيات المحلية (Colectivos) الأقل تنظيما وتسليحا.
من جهة أخرى، تشير تقارير مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) إلى أن "العمق الاستراتيجي" الإيراني يمثل عائقا لوجستيا لا يقارن بالحالة الفنزويلية. فإيران ليست مجرد جغرافيا معزولة، بل هي مركز لشبكة "وحدات الظل" وحلفاء إقليميين في العراق ولبنان واليمن، ما يجعل أي عملية أمريكية ضد قيادتها بمثابة فتيل لحرب إقليمية شاملة تهدد ممرات الطاقة الدولية (مضيق هرمز).
في المقابل، وعلى الرغم من وجود حلفاء لمادورو، إلا أنهم يفتقرون للقدرة على شن هجمات مضادة بعيدة المدى أو تهديد المصالح الأمريكية الحيوية بنفس الكثافة التي يمتلكها "محور المقاومة" التابع لإيران، مما جعل تكلفة العملية في فنزويلا "مقبولة" استراتيجيا لواشنطن، بينما تظل تكلفة العملية في إيران "باهظة" التكلفة وغير مضمونة النتائج.