السبت 10 يناير 2026 الموافق 21 رجب 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

أطماع الولايات المتحدة في جرينلاند تهدد حلف الناتو واستقرار الأطلسي| تفاصيل

الرئيس نيوز

تتسارع وتيرة التحركات في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أجل صياغة خطة عمل تهدف للاستحواذ على جزيرة جرينلاند، حيث أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو نيته الاجتماع بالمسؤولين الدنماركيين الأسبوع المقبل لمناقشة هذا الملف الشائك. وتأتي هذه الخطوة وسط قلق أوروبي متزايد من طموحات واشنطن الإقليمية، خاصة بعد تأكيدات البيت الأبيض بأن جميع الخيارات، بما في ذلك "القوة العسكرية"، تظل مطروحة على الطاولة لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، وفقا لشبكة سي إن بي سي نيوز.

ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن المحلل ديفيد إجناتيوس أن هذا النهج يمثل تحولا خطيرا، إذ كان بإمكان واشنطن تحقيق مكاسبها الأمنية عبر التفاوض الهادئ لتوسيع الاستثمارات والوصول العسكري، بدلا من الدخول في صراع سيادي يهدد بتقويض أركان حلف الناتو، الذي يغلي الآن غضبا أمام المواقف الأمريكية، وانهيار الترتيبات الأمنية العالمية التي استقرت منذ عقود.

ذريعة الأمن القومي وتضارب المصالح الاستراتيجية
ويبرر الرئيس ترامب إصراره على ضم جرينلاند بأنها أصبحت ضرورة ملحة للأمن القومي الأمريكي لمواجهة النفوذ المتزايد لروسيا والصين في القطب الشمالي، مدعيا وجود انتشار كثيف للسفن المعادية حول سواحلها. 

ومع ذلك، يشكك خبراء أمنيون في هذا المنطق، مؤكدين أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل موطئ قدم استراتيجي في قاعدة "بيتوفيك" الفضائية (ثول سابقا)، وهو ما ظهر جليا في الزيارة الميدانية الأخيرة لنائب الرئيس "جيه دي فانس" للجزيرة.

ويحذر إجناتيوس من أن هذا "الهوس" بالاستحواذ قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث ينظر إليه دوليا كتهور سياسي يهدد بتمزيق علاقة أمريكا بأوثق حلفائها، في وقت يشدد فيه القادة الأوروبيون على أن أمن الأطلسي هو هدف جماعي لا يمكن تحقيقه عبر سياسات الضم الأحادية.

إرادة الاستقلال مقابل أطماع القوى الكبرى

في خضم هذا التجاذب الدولي، يبرز موقف سكان جرينلاند الـ 57 ألفا كعقبة قانونية وسياسية كبرى؛ إذ تشير المعطيات الميدانية إلى معارضة شعبية كاسحة للوصاية الأمريكية وتمسك صلب بحق تقرير المصير.

فبينما تتطلع واشنطن إلى الثروات الهائلة من المعادن الأرضية النادرة في الجزيرة، يرى المستثمرون والناشطون المحليون أن الاستقلال الكامل عن الدنمارك هو المسار المفضل، وهو حق يكفله قانون الحكم الذاتي لعام 2009. وبينما تستعد كوبنهاجن للاجتماع المرتقب مع روبيو، تظل الرسالة الدنماركية واضحة بأن أي محاولة للسيطرة القسرية ستعني نهاية التحالف الأطلسي، مؤكدة أن جرينلاند تنتمي لشعبها فقط، وأن زمن صفقات شراء الأراضي التابعة لدول ذات سيادة قد ولى.

بين أحلام "الاستحواذ" وواقع "البقاء"

بينما يروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لضم جرينلاند كصفقة استراتيجية كبرى، تبرز قصص إنسانية من عمق الجزيرة تكشف فجوة هائلة بين الحسابات السياسية والواقع الجغرافي. 

ووفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية، اختار دنيس ليهتونن، مصور فنلندي، العيش في القرى النائية على الجزيرة منذ عام 2018، ويسرد تجربة استثنائية بدأت بشغف تصوير سماء الليل وانتهت بالعمل في مصانع الأسماك وسط مجتمعات لا تتقن سوى لغتها الأصلية.

ووصف دنيس كيف تحولت هذه الأراضي المنسية فجأة إلى ساحة سجال عالمي، مؤكدا أن السكان المحليين يقابلون رغبة ترامب في الشراء بالسخرية، معتبرين أن حديثه عن "سفن صينية وروسية في كل مكان" مجرد "هذيان" لا يمت للواقع بصلة، بينما يواجهون محاولات الوصاية الأمريكية برفع علمهم الوطني بكبرياء.

تفاصيل الحياة في أكثر مستوطنات الأرض قسوة

خلف الجدل السياسي، تبدو الحياة في جرينلاند "كابوسا" لمن اعتاد الرفاهية الغربية؛ فالمياه الجارية ترف مفقود في القرى النائية، حيث يعتمد السكان على إذابة الجبال الجليدية للحصول على ماء الشرب. وتفتقر هذه المستوطنات لأبسط المرافق الطبية، ويتم التعامل مع الحالات الطارئة عبر اتصالات هاتفية تتبعها مروحيات إن سمح الطقس بذلك. وفي ظل درجات حرارة تهبط إلى 37 تحت الصفر، قد يجد المرء نفسه مضطرا للنوم في الكنيسة إذا ما تعطلت أنظمة التدفئة البدائية.

أما الغذاء، فيعتمد على سفينة تموين تصل مرة واحدة في بداية الشتاء، ليقضي السكان الأشهر الستة التالية في عزلة تامة، يقتاتون على الخضراوات المجمدة ولحوم الصيد التي تخزن بعناية.

الهوية المحلية: الصمود في وجه التهميش

ورغم العزلة، يتمتع المجتمع الجرينلاندي بترابط اجتماعي فريد يتجسد في مناسبات "كافيميك"، حيث تجتمع القرية بأكملها في منزل واحد للمشاركة في الطعام وتبادل أطراف الحديث.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا المجتمع، الذي يفضل لحم الفقمة على الأسماك المصدرة للخارج، يحمل جراحا تاريخية عميقة تجاه التدخلات الخارجية، بدءا من التهجير القسري لإقامة القواعد العسكرية الأمريكية في الخمسينيات، وصولا إلى الممارسات الدنماركية المثيرة للجدل. ومع اعتذار الدنمارك عام 2025 عن فصول مظلمة من تاريخها، يظل حلم الاستقلال يراود السكان الذين يرفضون بشدة أن يتم التعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية أو كقطعة في صفقة تجارية.

سباق مع الزمن لتوثيق الجمال قبل الزوال

يواجه الوجود البشري في القرى الصغيرة خطر الاندثار مع نزوح الشباب نحو المدن الكبرى، حتى وصلت بعض المستوطنات مثل "كاغيرلوك" إلى أن تسكنها عائلة واحدة فقط. بالنسبة لدنيس، لا تكمن قيمة جرينلاند في قيمتها العقارية أو معادنها النادرة، بل في الدروس التي تعلمها للزائر عن الصبر والتكيف والاستغناء عن كماليات المدن الزائفة. 

وفي ظل التجاذبات الدولية الحالية، يسابق دنيس الزمن لتوثيق هذه المجتمعات المهددة بالزوال، متمنيا أن يكمل مهمته في تسجيل جمال هذه الأرض وأرواح أهلها قبل أن تدركها أي تدخلات خارجية قد تغير ملامحها للأبد.