الأحد 11 يناير 2026 الموافق 22 رجب 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

إلحاح إثيوبيا على وصول سيادي إلى البحر الأحمر.. إلى أين في ظل المعطيات الإقليمية الراهنة؟

الرئيس نيوز

تتصاعد في السنوات الأخيرة مطالب إثيوبيا بالحصول على وصول سيادي مباشر إلى البحر الأحمر، بوصفه أولوية استراتيجية ووجودية للدولة الأفريقية الحبيسة، محاولة لإنهاء اعتمادها شبه الكامل على جيرانها في ممرات التجارة العالمية. 

 

ووفقا لصحيفة هورن ريفيو، المتخصصة في شؤون القرن الأفريقي، فإن هذا السعي ليس مجرد طموح اقتصادي، بل ركيزة أساسية في رؤية إثيوبيا للأمن الوطني والتنمية المستقبلية، ويعكس تحولًا واضحًا في أولويات السياسة الخارجية للعاصمة أديس أبابا.


وفي أواخر أكتوبر 2025، فجر رئيس الوزراء آبي أحمد جدلا واسعا بتصريحات أمام البرلمان، مؤكّدا على الحقوق التاريخية لإثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر. وأوضح أن حرمان بلاده من منفذ بحري تم "بطريقة غير قانونية"، وأنه بعد مراجعة الوثائق لم يعثر على أي مستند يُجيز فقدان تلك المنافذ البحرية. وقال صراحة إن الحصول على منفذ بحري لم يعد ترفًا، بل أصبح مسألة وجودية لبقاء إثيوبيا، مع الأخذ في الاعتبار أن عدد سكانها يقترب من 150 مليون نسمة، مما يجعلها "محاصرة جغرافيًا" دون منفذ مباشر للبحر.


تاريخيا، امتلكت إثيوبيا موانئ على البحر الأحمر مثل عصب ومصوع قبل انفصال إريتريا عام 1993، مما جعلها دولة حبيسة منذ ذلك الوقت. اعتمدت إثيوبيا على ميناء جيبوتي لنقل أكثر من 95% من تجارتها، ما كلفها مليارات الدولارات سنويًا وأثر على استراتيجياتها الاقتصادية واللوجستية.
 

ولم يقتصر السعي الإثيوبي على الخطاب السياسي، بل اتخذ بعد ذلك خطوات عملية، مثل توقيع مذكرة تفاهم مع "جمهورية أرض الصومال" في يناير 2024، تسمح لأديس أبابا بممر بطول عشرين كيلومترًا في خليج عدن، إلى جانب ميناء تجاري وقاعدة بحرية، مقابل اعترافها باستقلال الإقليم. هذه الخطوة أشعلت غضب مقديشو وأثارت توترات دبلوماسية، كما أثارت مخاوف دول الجوار مثل مصر وإريتريا من أي تعديل أحادي للحدود البحرية.
 

ولفتت الصحيفة إلى أن السعي الإثيوبي للبحر الأحمر مرتبط جذريا بالإرث الإمبراطوري لإثيوبيا. فقد أسس الإمبراطور منيليك الثاني (1889–1913) دولة توسعية امتدت من منطقة شوا شمال البلاد إلى الجنوب، ضاما مناطق متعددة وشكل البنية المركزية للدولة. هذه البنية المركزية، التي بقيت متجذرة في الإدراك الجمعي الإثيوبي، شكلت لاحقًا أساس الصراعات الداخلية مع قوميات مثل التيجراي، الأمهرة، والأورومو.


وفي عهد هيلي سلاسي (1930–1974) امتدادا إلى حكم منجستو هيليماريام (1974–1991)، استمرت البنية المركزية الإمبراطورية، واحتفظت الدولة بهياكلها القديمة رغم التغيرات الأيديولوجية، وهو ما أدى إلى تكرار النزاعات الداخلية والاضطرابات المسلحة، وأوضح العلاقة بين الداخل الإثيوبي المأزوم والطموحات الإقليمية الخارجية.


ومع صعود آبي أحمد إلى السلطة في أبريل 2018، جرت محاولات للإصلاح السياسي والمصالحة مع إريتريا، لكنه واجه صراعات داخلية حادة في إقليم تيغراي (2020–2022) وغيرها من المناطق، ما جعل التوسع البحري مشروعًا سياسيًا قائمًا على إرث الإمبراطورية ومشروع الاستراتيجية الوطنية المعاصرة معًا.
 

ومن منظور "اللاشعور السياسي" كما وصفه المراقبون، يمكن فهم هذا التوجه الإثيوبي نحو البحر الأحمر ليس مجرد سياسة مؤقتة، بل تجسيد لموروث الإمبراطورية الإثيوبية في العقل الجمعي، حيث ترى النخب السياسية الحالية أن الاستفادة من المنافذ البحرية جزء من "حق طبيعي" لإثيوبيا في مواجهة القيود الجغرافية والتاريخية.
 

وفي هذا السياق، يشكل البحر الأحمر اليوم ميدانا للصراع الإقليمي، بين مصالح إثيوبيا في تأمين منفذ بحري دائم، وبين مصالح دول الجوار مثل جيبوتي، مصر، الصومال، وإريتريا، التي ترفض أي تعديلات أحادية قد تهدد استقرار المنطقة أو توازن القوى في القرن الأفريقي.