تهديدات الرحيل تتصاعد.. هل يهرب مليارديرات كاليفورنيا من الضرائب؟
وسط تصاعد الجدل السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة، تصدر اقتراح ضريبة على الثروة (Wealth Tax) في ولاية كاليفورنيا عناوين الصحف الكبرى وأثار نقاشًا واسعًا حول مستقبل الاقتصاد، النمو، والسياسات الضريبية الأمريكية.
ولفتت صحيفة سان فرانسيسكو كرونكل إلى أن المبادرة، التي يقف وراءها اتحاد العمال الصحيين وبعض مناصري العدالة الاجتماعية، تعهدت بفرض ضريبة لمرة واحدة بنسبة 5٪ على قيمة الثروة التي تتجاوز 1 مليار دولار لتمويل خدمات الصحة والتعليم وسد فجوة التمويل التي خلفتها التخفيضات الفيدرالية في برامج الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الاجتماعية.
لكن المقترح أثار تحذيرات حادة من كبار أصحاب الثروات والشخصيات الاقتصادية، الذين قالوا إنهم قد يضطرون إلى الرحيل خارج الولاية إن مررت هذه الضريبة.
التهديد بالهجرة: بين التصريحات والواقع
في الأسبوعين الأخيرين من عام 2025، حذر عدد من كبار المليارديرات في صناعة التكنولوجيا من مغادرة كاليفورنيا إذا تم تمرير الضريبة، وهو ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز نقلًا عن مصادر وصفتها بأنها “مطلعة على تفكير هؤلاء الأفراد”. وأبرز هذه الأسماء تضم بيتر ثيل وشريك جوجل المؤسس لاري بايج، اللذين يقول مراقبون إنهما يبحثان عن سُبل لتقليل ارتباطهما بكاليفورنيا، بما في ذلك فتح مقار عمل في ولايات أخرى مثل فلوريدا أو تكساس.
وفي خطاب موجه إلى حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم، زعم محام بارز أن تطبيق ضريبة الثروة قد يدفع بعض الأثرياء إلى “الانتقال الدائم” خارج الولاية، قائلًا إن ذلك سيؤدي إلى نزوح رأس المال والابتكار.
وعلى الجانب الآخر، المؤيدون للمبادرة يعتبرون هذه التحذيرات تكتيكا للتأثير على الرأي العام قبل أن يصل الاقتراح إلى التصويت الشعبي. إذ يرى بعض نواب الكونجرس أن على الأثرياء المساهمة بشكل أكبر في تمويل الخدمات الاجتماعية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين المتضررين من التخفيضات الفيدرالية، وفقا لشبكة إيه بي سي نيوز.
الاقتصاد الكاليفورني: ثروات مقابل وظائف
تعد كاليفورنيا واحدة من أغنى الولايات الأمريكية اقتصاديًا، حيث تساهم قطاعات مثل التكنولوجيا والترفيه والزراعة بنحو تريليون دولار سنويًا في ناتجها المحلي الإجمالي، وتوفر أكثر من 4 ملايين وظيفة مباشرة، ولا يزال اقتصادها ينظر إليه باعتباره مركزًا للابتكار العالمي.
لكن هذا النمو الاقتصادي مكبل بتفاوتات شاسعة في توزيع الثروة، إذ تملك الولاية أكثر من 200 ملياردير، وثلث الناتج المحلي يأتي من الشركات التقنية الكبرى وقادة الصناعة.
وفقا لتقرير لصحيفة سان فرانسيسكو كرونكل، فإن ثروات هؤلاء الأفراد موزعة بشكل يجعلهم مستهدفين مباشرة في المقترح الحالي، ما أثار قلقًا حول تراجع الاستثمارات الخاصة وفرص العمل المستقبلية إن غادرت هذه الطبقة الثرية الولاية.
وتشير التقديرات إلى أن الضريبة، إن تم تطبيقها، قد تجمع ما يصل إلى 100 مليار دولار خلال خمس سنوات، وهو مبلغ كبير يمكن توجيهه للتعامل مع العجز في الخدمات الصحية والتعليمية نتيجة تقليصات الميزانية الفيدرالية.
نقد الحجة: هل سيغادر الأثرياء فعلًا؟
وشككت مجلة فوربس وكتاب ضريبيون آخرون في أن تهديدات الهجرة مبالغ فيها أو حتى غير واقعية. فهم يشيرون إلى أن تغيير محل الإقامة الدائم لأسباب ضريبية هو قرار معقد للغاية، يتضمن تكاليف مالية وشخصية تستغرق وقتًا طويلًا، وأن مثل هذه التهديدات غالبًا ما تكون مجرد تكتيكات للمساومة السياسية أكثر من كونها نية فعلية.
كما أن بعض الخبراء يؤكدون أن نسبة الضريبة المقترحة قد تكون أقل من تكاليف العيش وتشغيل الأعمال في ولايات أخرى، مما يجعلها غير دافع رئيسي للهجرة الفعلية. ومع ذلك، يبقى السؤال قائمًا حول ما إذا كان الخوف من الضريبة سيؤثر على قرارات الاستثمار والأعمال المستقبلية في الولاية أو يدفع الشركات لتغيير مواقعها.
انعكاسات سياسية واقتصادية واسعة
ويعكس النقاش حول ضريبة الثروة في كاليفورنيا انقسامات أوسع في السياسة الأمريكية حول كيفية التعامل مع التفاوت الاقتصادي في القرن الواحد والعشرين. بينما يرى البعض أن فرض ضرائب أعلى على الأثرياء هو سبيل للعدالة الاجتماعية وتقليص الفجوة المتزايدة في الدخل، يخشى آخرون من أن ذلك سيؤدي إلى نزوح رؤوس الأموال مع تقليل الحوافز للابتكار والاستثمار.
هذا الجدل ليس محصورًا في الولايات المتحدة فحسب. في أوروبا وأمريكا اللاتينية، تواجه حكومات أخرى تحديات مماثلة في محاولة فرض ضرائب على الثروة دون أن تفقد الطبقة الثرية، حيث ناقش البرلمان الأوروبي في مناسبات سابقة آليات ضريبة الخروج لثني الأثرياء عن الهجرة الضريبية.
معركة المستقبل الاقتصادي
بينما تستمر حملة جمع التوقيعات لتأهيل اقتراح الضريبة لبطاقة الاقتراع في نوفمبر 2026، تستمر التصريحات من أصحاب المليارات ضد الفكرة، وحتى فتح مكاتب جديدة في ولايات صديقة للضرائب مثل فلوريدا يُنظر إليه كإشارة مبكرة على التحولات المحتملة في خريطة الثروة الأمريكية.
وطرحت صحيفة سان فرانسيسكو كرونكل هذا السؤال الذي لا يزال يبحث عن إجابات: "هل سيكون ما يحدث مجرد مفاوضات سياسية تكتيكية أم أننا نشهد تحولا هيكليا في علاقة الولايات المتحدة مع طبقتها الاقتصادية العليا؟ الجواب قد يحدد ليس فقط مستقبل كاليفورنيا، بل مستقبل الضريبة على الثروة، التوزيع الاقتصادي، وقواعد اللعبة بين رأس المال والدولة في القرن المقبل، وتخوض كاليفورنيا الآن نقاشا ليس أقل أهمية من أي من القضايا الكبرى التي تواجه المجتمع الأمريكي اليوم".