تسجيلات صوتية نادرة.. تفاصيل لقاء فاطمة رشدي برئيس الوزراء محمد محمود باشا بعد منع عرض مسرحية "يوليوس قيصر" وكيف أقنعته بالموافقة ؟
عبدالحكيم عامر أقسم "بالطلاق" للرئيس عبد الناصر لو تولت فاطمة رشدي وزارة الثقافة سيتقدم باستقالته
أمير الشعراء أهدى لفرقة فاطمة رشدي مسرحيته الشعرية "مصرع كليوباترا" لتجسيدها لأول مره على المسرح
بدأت فرقة فاطمة رشدي عروضها بالفعل في موسم الصيف بعد تجهيزات واستعدادات استمرت
عدة أشهر، وقدمت روايات ناجحة منها على سبيل المثال "حد السيف" ترجمة خليل
مطران، وكانت الفرقة تضم استيفان روستي وأنطوني يزبك وعزيز عيد، وسليمان نجيب، ومحمد
رمزي، وغيرهم.

وتروي فاطمة رشدي أن المنافسة اشتدت بين الفرقتين، فرقتها وفرقة رمسيس، خلال
الموسم الثالث والرابع، وتؤكد أن عزيز عيد تمكن من تحويل استيفان روستي الممثل الكوميدي
الى ممثل تراجيدي في مسرحية "يوليوس قيصر"، بعد أن كان رافضا لهذا الأمر
ومتخوف منه، إلا أن عزيز عيد أقنعه، وبعد الموافقة حقق استيفان روستي نجاحًا باهرًا
وفوجئ الجمهور بأدائه التراجيدي الإبداعي، حتى أصبح حديث الساعة لتحدث مفاجأة من العيار
الثقيل تروي فاطمة رشدي تفاصيلها خلال مذكراتها بصوتها.
كيف كانت المنافسة بين فرقة رمسيس وفرقة فاطمة رشدي ؟
تقول فاطمة رشدي إن المنافسة بين فرقتها وفرقة رمسيس، كانت طبيعية طالما أننا انفصلنا عن يوسف وهبي، أن يقوم بترتيب
خطواته بشكل جيد، فهو أعلم بمقدرة عزيز عيد وما يستطيع تحقيقه إذا توفر إليه المال،
فلم يجد خيرا من الاتفاق مع جورج أبيض ليتقاسما أدوار البطولة"، وتضيف
:"علمت بالخبر وسررت جدا، لأن وجود فرقتي أدى إلى تعاون النجمين الكبيرين يوسف
وهبي وجورج أبيض والتحالف من أجل منافستي، وإنها حقا منافسة شريفة الخير من ورائها
عائد على الفن أولا والجمهور ثانيا".
وتكشف صديقة الطلبة أن الهدف من المنافسة كان النهوض بالفن والارتقاء بذوق الجمهور،
والوصول بهم إلى مستوى رفيع من الحث الفني، خاصة مع تقديم روائع المسرحيات والروايات
العالمية، فكانت المنافسة شديدة بين الفرقتين المتزعمتين للحركة المسرحية في مصر، حتى
وصلت لدرجة تجعلهما يقدما نفس الرواية الواحدة أسبوعيا، ويتنافسوا من خلال رواية واحدة،
فمثلا في رواية الوطن أعطت فرقة رمسيس دور تراجيدي هام للممثل الكبير جورج أبيض، في
حين أعطت فرقة فاطمة رشدي نفس الدور للممثل الكوميدي بشارة وكيل، وتقول فاطمة رشدي
في مذكراتها :"عزيز عيد تمكن من جعل بشارة وكيل الممثل الكوميدي ممثلا تراجيديا
ونجح نجاح منقطع النظير".

وتضيف أن عزيز عيد يعد أول مخرج تمكن
من دمج السينما بالمسرح بعبقريته الشديدة، وظهر هذا جليا في عرض مشهد من مسرحية
"السلطان عبدالحميد" والذي أظهره في خلفية المسرح، وأعجب الجمهور كثيرا بالمشهد
وصفق له 15 دقيقة متواصلة، وهو ما جعل أحمد بك شوقي أمير الشعراء يعجب بالفرقة وأدائها،
ويقرر مد المسرح ببعض رواياته الشعرية.
وتقول فاطمة رشدي :"أبلغوني يوم الافتتاح لمسرحية يوليوس قيصر أن دولة
رئيس الوزراء محمد محمود باشا ووزير الخارجية حينها، قرروا وقف تنفيذ المسرحية، وطالبونا
برد فلوس التذاكر إلى الجمهور"، وتضيف :"عارضت القرار وطلبت أن يستمر الجمهور
في المسرح حتى أعود من مشوار سيستغرق أقل من ساعة، وسألت على منزل رئيس الوزراء فكان
بحلوان وذهبت إليه".

ماذا دار بين فاطمة رشدي ودولة رئيس الوزراء بشأن مسرحية "يوليوس قيصر"
!
تروي فاطمة رشدي تفاصيل لقائها بدولة رئيس الوزراء محمد محمود باشا وزير الداخلية،
وتقول بمذكراتها :"رحب بي وبادرني بقوله (أظن وصلك القرار)، وقلت له بتحفظ (نعم
وصلني ولكن الجمهور جاء لمشاهدة هذه الرواية بعينها فلماذا هذا القرار) ؟
فرد قائلا : في كلام عن الثورة وتحريض كتير وإذا حذف من الرواية سأقوم بالموافقة
على عرضها،..لترد فاطمة رشدي قائلة : ولكن دي رواية تاريخية مثلتها كل
الفرق المسرحية في العالم وإذا عرف الجمهور بحذف هذه الكلمات منها سيثور ويغضب ويتهمنا
بالتواطؤ
فرد عليها محذرا : إبعدي عن السياسة
لترد : أنا أتحدث كممثلة وسيادتك شرفتنا بزيارات عديدة وسررت بما نقدمه من روايات
عالمية .. فأرجوك وافق على عرض هذه الرواية .
ليبلغها رئيس الوزراء في كبرياء أنه يوافق على عرض "يوليوس قيصر"
اليوم فقط، ثم يطلب التليفون ويأمر بعرض الرواية، ثم يقول لها : "أرجو ألا يتكرر
ذلك مره أخرى" ويودعها في كبرياء، وتتجه فاطمة رشدي إلى المسرح، ويستقبلها الجمهور
استقبال حافل بعاصفة من التصفيق.

وتقول فاطمة رشدي أنها عندما وقفت على المسرح في دور أنطونيو بعد ليلة كفاح
طويلة من أجل عرض الرواية، أدركت تماما لماذا اعترضت الرقابة على عرضها، فهي رواية
تحرض على الثورة وتضم مظاهر القتل والعمل الوحشي، ولكن إيمانها بحق الجمهور ودورها
كممثلة جعلها تصر على المواجهة، وتقول واصفه ذلك (اما أن أكون جبانا أو أكون ممثلا).
استمر عرض رواية "يوليوس قيصر" أكثر من شهر وطافت بها فرقة فاطمة
رشدي جميع المحافظات، حتى أنها بدأت في تقديم حفلتين مجانا للطلبة الأحد والجمعة من
كل أسبوع، وذلك لمعاونة الطلبة على نشر الوعي المسرحي، وهنا بدأ تلقيبها بلقب (صديقة
الطلبة).
لماذا أطلق مصطفى أمين لقب "صديقة الطلبة" على فاطمة رشدي
!
لم يطلق لقب "صديقة الطلبة" على الفنانة فاطمة رشدي بالصدفة، بل كان
لقبا استحقته بشهادة كبار الكتاب الصحفيين في مصر وعلى رأسهم الكاتب مصطفى أمين، والذي
أطلق عليها هذا اللقب لعدة أسباب، أولها أن رواياتها كانت مقررة على طلبة الثانوية،
كما أنها كانت تقدم عروضا مجانية للطلبة يومي الأحد والجمعة مساهمة في نشر الوعي المسرحي
والفني، كما قدمت عروضا مسرحية لجميع فئات المجتمع وفي كافة محافظات مصر.
ويقول الكاتب مصطفى أمين أنه ذات مره وفي جلسة ودية مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر،
إقترح عليه أن يختار وزيرة للثقافة ورشح له عدة أسماء من بينهم فاطمة رشدي، لما لها
من جماهيرية كبيرة وقدرة على نشر الوعي والثقافة وتوصيل رسائل الدولة.
ويؤكد مصطفي أمين أنه اقترح أسماء، أم كلثوم، وحكمت أبوزيد، وأمينة سعيد، وفاطمة
رشدي، ودخل فجأة المشير عبدالحكيم عامر، وقال لي عبدالناصر : "قول يا مصطفى اقتراحك
كده لعبدالحكيم"، وعندما ذكرت المقترح انفعل عبدالحكيم عامر وزير الحربية
أنذاك وأقسم بالطلاق أنه سيقدم استقالته من الوزارة اذا دخلت إمرأة المجلس.

وتروي فاطمة رشدي أن الدولة كان لديها رغبة قوية في نشر الوهج المسرحي بين كافة
الطبقات، وتقول :"الفوائد التي عادت على الفن بسبب دعم الدولة أكثر من أن تحصر،
فاهتمام الحكومة بالتمثيل والفن خلق وعي فني بين أبناء الشعب وانتشرت الصحافة الفنية
وتعددت أقلامها متمثلة في هيكل ومصطفى وعلى أمين وعباس العقاد ومحمد التابعي، وغيرهم
من كبار الكتاب الذين كتبوا في الفن".
وفي عز الوهج المسرحي لفرقة فاطمة رشدي وفي نهاية الموسم الثالث لها، طلب منهم
احياء عدة حفلات في دمنهور، وذلك قبل سفر الفرقة لجولة عربية يبدأ بها الموسم الرابع
لهم، وطلب منهم منظم الحفل المسرحي تقديم مسرحية "يوليوس قيصر"، ووافقت فاطمة
رشدي على ذلك، وذهبوا إلى مسرح دمنهور لتقديم المسرحية قبل السفر إلى بيروت.
جمهور دمنهور يهتف ضد فرقة فاطمة رشدي بسبب حذف مشاهد من رواية
"يوليوس قيصر"
وتروي صديقة الطلبة في مذكراتها تفاصيل ما جرى قائلة :"الجمهور كان مستمتع
وجرفته الحماسة وهتفوا (تعيش فرقة فاطمة رشدي وتسقط فرقة يوسف وهبي)، وأثناء العرض
فوجئنا بطول الرواية وقال عزيز عيد أنهم لو قدموا الرواية كما قدموها في القاهرة لن
يلحقوا بالقطار ولن يسافروا إلى بيروت، وقرر حذف بعض المشاهد".، وتضيف
:"بعض من الجمهور الحاضر لاحظوا الحذف لأنهم شاهدوا الرواية خلال عرضها في القاهرة
وغضبوا من الحذف وبدأوا يهتفوا (تسقط فرقة فاطمة رشدي وتعيش فرقة يوسف وهبي)، وانتهى
العرض المسرحي، وخرجت الفرقة في حماية قوات البوليس"، ولكن بدت السعادة البالغة
على فاطمة رشدي وجميع أفراد فرقتها، لأنها تأكدت أن التربة الفنية ووعي الشعب قد نمى
وأصبحوا يعرفون تفاصيل الروايات العالمية، وتأصلت في نفوس الشعب التربة الفنية.
وانتهى الموسم الثالث بمفاجأة لفرقة فاطمة رشدي، حيث قررت وزارة الثقافة دعم
الفرقة بإعانة بمبلغ 400 جنية بهدف خلق الوعي والمعرفة والتنوير، لتصبح ثاني فرقة مسرحية
تدعمها الدولة بعد فرقة رمسيس.

أصيبت فاطمة رشدي
بإرهاق شديد بعد الموسم الثالث من العمل المتواصل وهي في سن صغيرة، وتقول في
مذكراتها تعقيبا على تلك المرحلة :"أه من الإرهاق، تحملت المسؤولية الكاملة
لفرقة مسرحية وتابعت العمل الجاد طوال الوقت وأنا صغيرة لم أتجاوز 15 عاما، وما
بين السواريهات والماتينيهات وإدارة الفرقة والبروفات، لم أنعم بالنوم الحقيقي،
واشعر الأن بالإجهاد، بالفعل كنت أتمنى الموت على المسرح وكنت في قمة عظمتي ومجدي
ومسؤولة عن كل الروايات التي تتطلب مني حفظ الأدوار والعمل المتواصل، ولكني
سأستمر".
ومع بدء استعدادات
الموسم الرابع حدثت مفاجأة جديدة لم تتوقعها، وحظي المسرح العربي خلال هذا الموسم
بفرصة كبيرة في تقديم الرواية الشعرية الأدبية، وتتلخص المفاجأة في مكالمة من أمير
الشعراء أحمد بك شوقي، والذي دعا عزيز عيد لزيارته في منزله بصحبة الدكتور سعيد
عبده، وأهدى لهم مسرحيته الشعرية "مصرع كليوباترا" لتجسيدها لأول مره
على المسرح، وتصف فاطمة رشدي شعور عزيز عيد حينها قائلة :"كادت عيناه أن تبكي
من السرور بعد مكالمة أمير الشعراء، ولم تكن هناك أي علاقة سابقة بيني وبين أحمد
بك شوقي، وعندما بدأنا تحضيرات المسرحية فوجئت به يتواجد يوميا ويتابع التحضيرات
بنفسه".
الحلقة القادمة ..
كواليس وأسرار
تروى لأول مره عن جولات فاطمة رشدي في في الوطن العربي