الرئيس نيوز

أموال المليارديرات تهدد إصلاحات الديمقراطيين.. هل ينجح الحزب في كبح نفوذ المال السياسي بأمريكا؟

الرئيس نيوز

يفتح فوز الحزب الديمقراطي بالسيطرة على الكونجرس الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي الباب أمام مواجهة سياسية جديدة بشأن نفوذ المليارديرات والشركات الكبرى في تمويل الحملات الانتخابية والتأثير في صناعة القرار، بعدما تصدرت مكافحة الفساد والحد من نفوذ المال السياسي خطاب الحزب خلال حملته الانتخابية.

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن تحويل هذه التعهدات الانتخابية إلى إصلاحات فعلية يمثل اختبارًا صعبًا أمام الديمقراطيين، في ظل الزيادة الكبيرة في الإنفاق الانتخابي، واتساع نفوذ جماعات الضغط، وتنامي قدرة أصحاب الثروات على التأثير في توجهات الناخبين وقرارات المشرعين.

وتتجاوز المعركة مسألة تفوق حزب على آخر، إذ تتعلق بطبيعة النظام السياسي الأمريكي نفسه، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على الحد من تأثير المصالح الاقتصادية الكبرى، بعدما تحولت الانتخابات إلى ساحة تنافس مالي تتدفق إليها مليارات الدولارات من الأفراد والشركات واللجان السياسية والمنظمات التي لا تكشف دائما عن مصادر تمويلها.

انتخابات بمليارات الدولارات ونفوذ متزايد للأثرياء

كشفت صحيفة الجارديان في تحقيق نشرته يوم 2 نوفمبر أن انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 تتجه إلى أن تصبح الأغلى في التاريخ الأمريكي، مع توقعات بوصول إجمالي الإنفاق إلى 11.9 مليار دولار، وفقًا لتقديرات مركز أوبن سيكرتس، بينما توقع متتبع الإنفاق الإعلاني أدمباكت وصول الإنفاق على الإعلانات وحدها إلى 11.6 مليار دولار.

وقدم أكبر 40 متبرعا نحو 2.4 مليار دولار حتى منتصف أكتوبر، بزيادة تعادل سبعة أمثال ما قدمته المجموعة نفسها خلال انتخابات 2014 بعد احتساب التضخم، والأكثر دلالة أن اتجاه الأموال تغير بصورة كبيرة، إذ أصبح هؤلاء الممولون يمنحون الجمهوريين ثلاثة أمثال ما يقدمونه للديمقراطيين، بعدما كان الديمقراطيون يتقدمون بنسبة اثنين إلى واحد قبل 12 عامًا.

كما تجاوز إنفاق لجان العمل السياسي الكبرى سوبر باك ملياري دولار بنهاية سبتمبر، بزيادة 51% عن انتخابات التجديد النصفي السابقة بعد احتساب التضخم، بينما رصدت صحيفة نيويورك تايمز ما لا يقل عن مليار دولار أنفقتها مجموعات الأموال المظلمة حتى نهاية أغسطس، وفقا لتحقيق الجارديان.

ماسك والمليارديرات في قلب المعركة

يبرز إيلون ماسك باعتباره أحد أكبر رموز النفوذ المالي في الانتخابات الأمريكية، بعدما قدم نحو 483 مليون دولار خلال دورة انتخابات 2026 لدعم الجمهوريين، وفقا لتحقيق الجارديان.

ولا يقتصر التأثير على ماسك، إذ تضم قائمة كبار الممولين جيفري ياس وعائلة أولين وقطب التكنولوجيا مارك أندريسن وبن هورويتز، إلى جانب ميريام أديلسون، التي قدمت 67 مليون دولار خلال الدورة الانتخابية.

وتكشف هذه التبرعات عن انتقال مركز الثقل في تمويل السياسة الأمريكية نحو قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة والمراهنات الإلكترونية، التي تسعى إلى التأثير في التشريعات المنظمة لأنشطتها، خصوصا مع تصاعد النقاشات حول الضرائب والرقابة وحماية المنافسة.

ووفقًا للجارديان، أصبحت مصالح الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة من أبرز مصادر الأموال السياسية الجديدة، بعدما تراجعت المكانة النسبية لقطاعات تقليدية مثل التمويل والنقابات العمالية.

التبرعات الصغيرة لا تكفي لمواجهة الأموال الضخمة

رغم التفوق الديمقراطي في استقطاب التبرعات الشعبية، فإن هذه الأموال لم تمنح الحزب الأفضلية المالية الكاملة. 

وكشفت واشنطن بوست في تحليل نشرته يوم 28 أكتوبر أن الحملات الديمقراطية جمعت 574 مليون دولار من المتبرعين الذين قدموا أقل من 200 دولار، مقابل 143 مليون دولار للحملات الجمهورية، بما يعادل أربعة أمثال الأموال التي جمعها المنافسون الجمهوريون من هذه الفئة.

ومثلت التبرعات الصغيرة 31% من الأموال التي وصلت إلى الحملات الديمقراطية، مقابل 16% للجمهوريين، كما استخدم نحو 6.65 مليون شخص منصة أكت بلو للتبرع للديمقراطيين، مقارنة بنحو 1.44 مليون عبر منصة وين ريد الجمهورية.

لكن أكبر 50 متبرعا قدموا 1.7 مليار دولار لدعم الجمهوريين مقابل 832 مليون دولار للديمقراطيين، بينما قدم ماسك وحده 446 مليون دولار إلى لجان سياسية مؤيدة للجمهوريين حتى تاريخ نشر تحليل الصحيفة.

وتكشف هذه الأرقام أن الديمقراطيين يعتمدون بصورة أكبر على قاعدة واسعة من المتبرعين الصغار، بينما يستفيد الجمهوريون من قدرة عدد محدود من الأثرياء على ضخ مبالغ ضخمة في الكيانات السياسية الخارجية، وفقا لواشنطن بوست.

المحكمة العليا توسع مساحة الإنفاق السياسي

تواجه محاولات الإصلاح عقبة قانونية كبيرة بعد حكم المحكمة العليا الأمريكية الصادر في 30 يونيو 2026، الذي ألغى القيود المفروضة على إنفاق الأحزاب السياسية بالتنسيق مع مرشحيها. 

وكانت القواعد السابقة تحدد سقوفا مالية للإنفاق الحزبي المنسق مع الحملات الانتخابية، بهدف منع تجاوز حدود التبرعات المباشرة للمرشحين من خلال تمويل نفقات حملاتهم عبر الأحزاب.

لكن المحكمة اعتبرت أن هذه القيود تنتهك التعديل الأول للدستور المتعلق بحرية التعبير، وهو ما فتح الباب أمام الأحزاب لإنفاق مبالغ أكبر بالتنسيق مع مرشحيها. 

وحذرت القاضية إيلينا كاجان في رأيها المعارض من أن القرار يضعف الحماية القانونية ضد الفساد السياسي، ويسمح للمتبرعين الأثرياء بزيادة تأثيرهم في الحملات الانتخابية. وأكدت لجنة الانتخابات الفيدرالية أن المحكمة أبطلت قيود الإنفاق الحزبي المنسق، وفقا لبيانها الرسمي.

مشروع ديسكلوز لمواجهة الأموال المظلمة

يحاول الديمقراطيون مواجهة هذه الظاهرة عبر مشروع قانون ديسكلوز، الذي أعاد السيناتور شيلدون وايتهاوس والنائب كريس باباس تقديمه في مارس 2026، بمشاركة 186 ديمقراطيا في الكونجرس.

ويستهدف المشروع إلزام لجان العمل السياسي الكبرى والمنظمات غير الربحية والشركات التي تنفق أكثر من 10 آلاف دولار على الانتخابات بالكشف عن المتبرعين الذين يقدمون أكثر من 10 آلاف دولار، ومنع التحويلات المالية بين المؤسسات بهدف إخفاء هوية الممول الأصلي.

كما يوسع المشروع قواعد الإفصاح لتشمل الإعلانات السياسية المنشورة عبر الإنترنت، ويطالب بالكشف عن الجهات التي تمول المؤثرين الرقميين للترويج للمرشحين أو مهاجمتهم.

ويتضمن كذلك تشديد القيود على التدخل الأجنبي في تمويل الانتخابات الأمريكية، وإظهار هوية كبار الممولين للإعلانات السياسية المنشورة عبر الفيديو والنصوص والتسجيلات الصوتية، وفقا لبيان السيناتور وايتهاوس المنشور في 4 مارس 2026.

هل تتحول الأغلبية الديمقراطية إلى إصلاح حقيقي؟

تمثل استعادة الديمقراطيين السيطرة على الكونجرس فرصة لإعادة طرح قضية تمويل الانتخابات، لكنها لا تضمن تمرير الإصلاحات، خصوصا أن أي تشريع رئيسي سيواجه مقاومة جمهورية، فضلا عن العقبات الدستورية والاختلافات داخل الحزب الديمقراطي نفسه.

ويواجه الديمقراطيون تناقضًا سياسيًا واضحًا، إذ ينتقدون نفوذ المليارديرات في الحملات الجمهورية، لكن لجانهم الانتخابية الرئيسية لا تزال تقبل أموالا من لجان العمل السياسي التابعة للشركات، كما يستفيد مرشحوهم من دعم بعض كبار الممولين.

وتتطلب مواجهة حكم سيتيزنز يونايتد الصادر عام 2010 تعديلا دستوريا إذا أراد الكونجرس تغيير الأساس القانوني الذي يسمح بالإنفاق السياسي المستقل غير المحدود، وهو مسار يحتاج إلى موافقة ثلثي مجلسي الكونجرس وتصديق ثلاثة أرباع الولايات.