لماذا يتراجع الذهب رغم مكاسبه الأسبوعية؟ 5 عوامل تتحكم في تحركات المعدن الأصفر
تواجه أسعار الذهب ضغوطًا متجددة رغم نجاح المعدن الأصفر في تعويض جانب من خسائره خلال الأسبوع الأول من نوفمبر، بعدما تداخلت عوامل نقدية واقتصادية واستثمارية في تحديد اتجاه السوق، بداية من توقعات أسعار الفائدة الأمريكية وارتفاع تكاليف الطاقة، وصولا إلى عمليات جني الأرباح وتصفية المراكز الاستثمارية بعد موجة الصعود القياسية التي شهدها المعدن خلال العام، وفقًا لصحيفة “كيتكو” المتخصصة في شؤون المعادن الثمينة.
وتكشف بيانات التداول أن الذهب الفوري سجل 4068.74 دولار للأوقية في الساعة 1:52 ظهرا اليوم الجمعة 6 نوفمبر، منخفضا 18.41 دولار، بما يعادل 0.45%، مقارنة بالإغلاق السابق عند 4087.15 دولار.
ورغم التراجع اليومي، حقق المعدن مكاسب أسبوعية بلغت 1.16% خلال خمسة أيام، بينما انخفض 2.38% خلال شهر، و4.05% خلال ثلاثة أشهر، و13.23% خلال ستة أشهر، وفقا لبيانات موقع تريدينج فيو.
وتظهر المقارنة السنوية صورة مختلفة، إذ ظل الذهب مرتفعا 2.21% خلال عام، رغم تراجعه 5.80% منذ بداية 2026، وهو ما يعكس حجم التصحيح الذي تعرض له المعدن بعد تسجيل مستويات قياسية في مطلع العام.
الدولار والفائدة الأمريكية يضغطان على الذهب
يأتي مسار السياسة النقدية الأمريكية في مقدمة العوامل التي تحدد اتجاه الذهب، إذ تؤدي توقعات استمرار أسعار الفائدة مرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول المدرة للعائد مقارنة بالمعدن الأصفر الذي لا يوفر عائدًا دوريًا.
وتتزامن هذه الضغوط مع تحركات الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، اللذين يؤثران مباشرة في تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين خارج الولايات المتحدة، وفي تكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالسندات وأدوات الدخل الثابت.
لكن تحركات الأسبوع الأول من نوفمبر كشفت أن العلاقة ليست ثابتة؛ فقد ارتفع الذهب بقوة يومي الأربعاء والخميس مع تراجع الدولار وعوائد السندات الأمريكية عقب نتائج انتخابات التجديد النصفي، وسجل مكاسب يومية بلغت نحو 3.4% يوم الأربعاء، قبل أن يصل إلى أعلى مستوى في أكثر من أسبوعين عند 4146.63 دولار للأوقية يوم أمس الخميس.
حرب إيران وأسعار النفط.. ضغط غير مباشر
تبدو العلاقة بين حرب إيران والذهب أكثر تعقيدا من مجرد زيادة الطلب على الملاذات الآمنة. فالتوترات الجيوسياسية تدعم عادة الإقبال على المعدن، لكن ارتفاع أسعار النفط قد يتحول إلى عامل ضغط عندما يثير مخاوف التضخم ويعزز احتمالات استمرار التشديد النقدي.
وأوضحت كيتكو في تقريرها يوم 6 نوفمبر أن تعافي أسعار النفط أعاد المخاوف التضخمية إلى الأسواق، بعدما ارتفعت تكاليف الطاقة، وهو ما عزز توقعات بقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول.
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع استمرار حساسية أسواق الطاقة لتطورات الشرق الأوسط، إذ يؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، ويمنح البنوك المركزية مبررا إضافيا للحذر في خفض الفائدة.
وفي المقابل، ساعد تراجع النفط خلال الأيام السابقة على تهدئة المخاوف التضخمية ودعم تعافي الذهب، وهو ما ظهر بوضوح في تعاملات الخميس، وفقا لرويترز.
جني الأرباح وتصفية المراكز الاستثمارية
ساهمت المكاسب الكبيرة التي حققها الذهب خلال العام في زيادة احتمالات جني الأرباح، خصوصا بعد وصول الأسعار إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
ويلجأ المستثمرون عادة إلى تقليص مراكزهم الشرائية عندما تتسع تقلبات السوق، أو عندما يرون أن الأسعار ابتعدت كثيرا عن مستوياتها السابقة، بما يسمح بتأمين الأرباح وتقليل مخاطر التصحيح.
كما يمكن أن تدفع خسائر أسواق الأسهم بعض المستثمرين إلى بيع الذهب، رغم مكانته التقليدية باعتباره ملاذا آمنا، لتوفير السيولة وتغطية الخسائر والالتزامات المرتبطة بمحافظهم الاستثمارية.
وأشارت صحيفة بارونز في تغطيتها للأسواق يوم 6 نوفمبر إلى أن عمليات البيع في أسهم التكنولوجيا دفعت بعض المستثمرين إلى تسييل حيازاتهم من الذهب لتغطية خسائر المحافظ، وهو ما حد من استفادة المعدن من تراجع عوائد السندات.
بيانات الوظائف الأمريكية تختبر اتجاه السوق
دخل تقرير الوظائف الأمريكي غير الزراعية دائرة اهتمام المستثمرين يوم الجمعة، باعتباره أحد المؤشرات الرئيسية التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في تقييم سوق العمل والتضخم وتحديد مسار السياسة النقدية.
وكان المستثمرون ينتظرون صدور بيانات أكتوبر في وقت لاحق من يوم 6 نوفمبر، بحثا عن إشارات تحدد ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي يتجه إلى التباطؤ بما يسمح بتخفيف الضغوط النقدية، أم يحتفظ بقوة تدفع البنك المركزي إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة.
وذكرت بارونز أن الذهب تراجع خلال تعاملات الجمعة رغم اتجاهه لتحقيق أفضل مكاسب أسبوعية منذ أكثر من شهرين، بعدما أعادت أسعار النفط المرتفعة المخاوف بشأن التضخم واحتمالات تشديد السياسة النقدية.
وخفض جولدمان ساكس توقعاته لسعر الذهب بنهاية 2026 إلى 4150 دولارًا للأوقية بدلًا من 4650 دولارًا، مستندا إلى تشدد الاحتياطي الفيدرالي، وفقًا لـ"رويترز".
مشتريات البنوك المركزية تمنح الذهب دعمًا طويل الأجل
رغم التصحيح السعري، لا تزال مشتريات البنوك المركزية والتدفقات الاستثمارية توفر دعما أساسيا للذهب.
وأضافت البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية 321 طنا إلى احتياطياتها خلال الربع الثالث من 2026، بزيادة 42% على أساس سنوي، بينما سجلت صناديق الذهب المتداولة تدفقات داخلة بلغت 211 طنا خلال الفترة نفسها، وفقا لمجلس الذهب العالمي في تقريره الصادر يوم 3 نوفمبر.
وتوقع المجلس استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب خلال الربع الأخير من العام، مع بقاء الاستثمار المحرك الرئيسي لنمو الطلب، رغم الضغوط التي تفرضها أسعار الفائدة والعوائد المرتفعة وقوة الدولار.
وترجح هذه المؤشرات أن تراجع الذهب لا يعكس اختفاء العوامل الداعمة للمعدن، وإنما يعبر عن صراع بين الطلب الاستثماري طويل الأجل والضغوط النقدية قصيرة الأجل، بينما سيظل اتجاه الأسعار مرتبطا بتحركات الدولار والنفط وقرارات الاحتياطي الفيدرالي وبيانات الاقتصاد الأمريكي.