الرئيس نيوز

مصر وتركيا.. مناورات "بحر الصداقة 2026" في الإسكندرية وسط خلافات حول ترسيم الحدود البحرية

الرئيس نيوز

تفتح المناورات البحرية المشتركة بين مصر وتركيا نافذة جديدة على مسار التقارب العسكري بين البلدين، بعدما استقبلت الإسكندرية تدريبات "بحر الصداقة 2026" في الفترة من 4 إلى 9 نوفمبر، بمشاركة وحدات من القوات البحرية المصرية والتركية. وتأتي هذه الخطوة بينما تتصاعد الخلافات حول الاتفاق البحري الموقع بين أنقرة وحكومة طرابلس عام 2019، عقب مصادقة مجلس النواب الليبي في بنغازي عليه، وهو ما أعاد ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط إلى دائرة التوتر الدبلوماسي.

وتكشف المناورات عن مسارين متزامنين في العلاقات المصرية التركية؛ أولهما توسيع التعاون العسكري والتدريبي بعد سنوات من التوتر، وثانيهما استمرار الخلاف بشأن الترتيبات البحرية في المتوسط، خاصة مع تمسك القاهرة بموقفها الرافض للاتفاق التركي الليبي. ووفقا لصحيفة "بروتوثيما" اليونانية.

أربعة محاور قتالية في مناورات الإسكندرية

تتضمن مناورات "بحر الصداقة 2026" تدريبات متخصصة على حرب السطح ومكافحة الغواصات وعمليات الدفاع الجوي والهجوم تحت الماء، بمشاركة عناصر ووحدات من القوات البحرية في البلدين.

وتكتسب استضافة مصر للتدريبات أهمية خاصة في مسار التعاون العسكري، بعدما استضافت قاعدة أكساز البحرية في ولاية موغلا جنوب غربي تركيا النسخة السابقة. وتعكس عودة المناورات وتبادل استضافتها رغبة الجانبين في تحويل التقارب السياسي إلى برامج تعاون ميدانية تشمل التدريب وتبادل الخبرات ورفع مستوى التنسيق العملياتي، وفقا لشبكة "تي آر تي وورلد" الإخبارية التركية.

تطبيع العلاقات يعيد التعاون العسكري بعد 13 عاما

استأنفت القاهرة وأنقرة سلسلة مناورات "بحر الصداقة" في سبتمبر 2025، بعد توقف استمر 13 عاما بسبب التوتر الذي أصاب العلاقات بين البلدين. وجاء استئناف التدريبات بعد خطوات متتابعة لتطبيع العلاقات، توجت بتبادل الزيارات الرسمية وفتح مجالات جديدة للتعاون.

وفي يوليو 2026، وقع البلدان خطاب نوايا للتعاون الدفاعي خلال زيارة وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى أنقرة، في خطوة وسعت إطار التنسيق العسكري بين الجانبين.

ولم يقتصر التقارب على القوات البحرية، إذ شاركت طائرات مصرية في تدريبات "نسر الأناضول 2026" بمدينة قونية التركية خلال يونيو الماضي، إلى جانب طائرات أذربيجانية وطائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي. وتشمل مجالات التعاون المطروحة الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا وتبادل زيارات كبار القادة وتنفيذ برامج تدريب مشتركة، بحسب "بروتوثيما".

 

البرلمان الليبي يعيد اتفاق 2019 إلى الواجهة

في المقابل، أعادت مصادقة مجلس النواب الليبي المنعقد في بنغازي على مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وحكومة طرابلس عام 2019 فتح الخلافات الإقليمية بشأن الحدود البحرية في شرق المتوسط. وفي 20 أكتوبر الماضي، وافق المجلس بالإجماع على المذكرة، وألغى خلال الجلسة نفسها قرارات أصدرها عام 2020 لرفض الاتفاق مع أنقرة.

ويرسم الاتفاق التركي الليبي حدودا بحرية بين جنوب غربي تركيا وشمال شرقي ليبيا، ويمتد عبر منطقة بحرية تقع بين جزيرتي كريت وقبرص. وتثير هذه الترتيبات اعتراضات من اليونان ومصر، بسبب تعارضها مع تصوراتهما لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة والحقوق البحرية في شرق المتوسط.

القاهرة ترفض المصادقة وتتمسك باتفاقها مع أثينا

سارعت وزارة الخارجية المصرية إلى إعلان موقفها من الخطوة الليبية، إذ أكدت في 21 أكتوبر أن مذكرة التفاهم البحرية باطلة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني، مشددة على أن تصديق مجلس النواب الليبي لا ينتج أي نتائج قانونية في مواجهة مصر. وجددت القاهرة تمسكها بالاتفاق البحري الموقع مع اليونان عام 2020، باعتباره الإطار الذي تستند إليه في تحديد مناطقها البحرية في شرق المتوسط.

وفي سياق التحركات المصرية، أشار موقع "ميدل إيست آي" إلى زيارة وفد مصري إلى أثينا قبل أيام للتشاور بشأن التطورات الليبية، في إشارة إلى استمرار التنسيق بين البلدين بشأن تداعيات المصادقة على الاتفاق التركي الليبي.

 

وامتد الاعتراض إلى تحركات دولية، إذ قدمت اليونان رسالة إلى الأمم المتحدة وزعتها باعتبارها وثيقة رسمية تحت الرقم A/81/455، أكدت فيها أن مصادقة البرلمان الليبي لا تمنح الاتفاق صفة قانونية.

وفي 26 أكتوبر، أصدرت اليونان والبحرين وقبرص ومصر والاتحاد الأوروبي والإمارات بيانا مشتركا في نيويورك حذرت فيه من تداعيات الخطوة على الاستقرار الإقليمي. كما وصفت وزارة الخارجية الأمريكية إعلان المصادقة بأنه "غير مفيد واستفزازي"، ودعت أثينا وأنقرة إلى تسوية خلافاتهما عبر التفاوض بحسن نية.

أنقرة تعرض اتفاقا بحريا جديدا على القاهرة

وسط هذه التطورات، أعلنت وزارة الدفاع التركية استعداد أنقرة لتوقيع اتفاق مع مصر لترسيم الاختصاص البحري، خلال إحاطتها الإعلامية الأسبوعية التي كشفت فيها كذلك عن موعد مناورات "بحر الصداقة 2026" في الإسكندرية.

ويضع العرض التركي القاهرة أمام ملف دقيق، لأن أي تفاهم بحري جديد يتطلب التعامل مع التعارض القائم بين الاتفاق التركي الليبي لعام 2019 والاتفاق المصري اليوناني لعام 2020، فضلا عن المصالح البحرية للدول المعنية في شرق المتوسط.

 

وتعكس التطورات وجود مسارين متوازيين في العلاقات المصرية التركية؛ أما المسار الأول فيتقدم عبر المناورات والتعاون الدفاعي وتبادل الخبرات، واما المسار الآخر؛ فلا تزال تحكمه خلافات قانونية وسياسية حول ترسيم الحدود البحرية.

 

وكان استئناف مناورات "بحر الصداقة" في 2025 قد عكس انفراجا حذرا في العلاقات، دون أن يعني تغييرا في مواقف القاهرة بشأن مصالحها البحرية. وتؤكد مناورات الإسكندرية أن التعاون العسكري يمكن أن يتوسع رغم استمرار الخلافات، بينما يظل مستقبل التفاهمات البحرية مرتبطا بالتفاوض والاتفاقات القانونية ومواقف الأطراف المعنية.