هدف ترامب الجديد في إيران.. سر المنشأة النووية المدفونة تحت جبل الفأس
عاد جبل الفأس الإيراني إلى واجهة المواجهة بين واشنطن وطهران، بعدما لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف المنشأة النووية الواقعة بالقرب من مجمع نطنز، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على التعامل معها خلال 10 دقائق. وتأتي هذه التهديدات في وقت تتواصل فيه التحركات الدبلوماسية لاحتواء الحرب، وسط شكوك أمريكية بشأن إمكانية تقديم إيران تنازلات حقيقية في ملفها النووي، وفقا لما أوردته مجلة دير شبيجل الألمانية.
وخلال تصريحات للصحفيين، قال ترامب إن الولايات المتحدة نجحت في تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، موضحا أن ما تبقى لا يتجاوز موقعا أو موقعين، وذكر جبل الفأس بالاسم باعتباره أحد الأهداف المحتملة. وأكد أن واشنطن لديها خطة للتعامل مع المنشأة خلال وقت قصير، وهو ما أعاد تسليط الضوء على أحد أكثر المواقع النووية الإيرانية غموضا، في ظل غياب معلومات مؤكدة بشأن طبيعة الأنشطة الجارية داخل أنفاقه.
أين يقع جبل الفأس الإيراني وما علاقته بمنشأة نطنز النووية؟
يقع جبل الفأس، المعروف باللغة الفارسية باسم «كوه كولانغ غاز لا»، على بعد نحو كيلومترين جنوب منشأة نطنز النووية بمحافظة أصفهان الإيرانية. ويضم الموقع مجمعا من الأنفاق المحفورة داخل كتلة جبلية صخرية، في تصميم يهدف إلى توفير حماية إضافية للمعدات والأنشطة الحساسة من الضربات الجوية.
وتنبع أهمية جبل الفأس من موقعه القريب من أحد أبرز مراكز تخصيب اليورانيوم في إيران، فضلا عن طبيعة التحصينات والأنفاق التي تجعل الوصول إلى المنشأة أكثر صعوبة مقارنة بالمواقع النووية التقليدية.
وبدأت إيران تنفيذ المشروع عام 2020، عقب تعرض ورشة تجميع أجهزة الطرد المركزي في مجمع نطنز لعملية تخريب، حيث أعلنت طهران حينها اعتزامها إنشاء منشأة تحت الأرض لتجميع أجهزة الطرد المركزي، بما يوفر بيئة أكثر أمنا للمعدات النووية الحساسة.
ومنذ ذلك الوقت، كشفت صور الأقمار الصناعية عن استمرار أعمال الحفر وتوسيع مداخل الأنفاق، إلى جانب إنشاء طرق داخلية وتدعيم التحصينات المحيطة بالموقع. وتشير تقديرات مفتوحة المصدر إلى أن عمق المنشأة قد يتراوح بين 80 و100 متر، إلا أن التصميم الداخلي وعمق الأنفاق لم يتحددا بصورة قاطعة حتى الآن.
صور الأقمار الصناعية تكشف نشاطا متزايدا داخل جبل الفأس
أثارت التحركات الإنشائية المحيطة بجبل الفأس اهتمام المؤسسات البحثية والاستخباراتية، خاصة مع رصد تغيرات ملحوظة في الطرق ومداخل الأنفاق خلال عام 2026.
وفي تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي في 9 سبتمبر 2026، أظهرت مقارنة صور الأقمار الصناعية وبيانات الرادار على مدار ست سنوات أن الموقع شهد خلال العام الحالي نشاطا في الطرق يفوق ما تم رصده منذ بداية المشروع.
وأشار التحليل إلى انتقال أعمال المنشأة من مرحلة الحفر المكثف إلى أنشطة يرجح ارتباطها بالإنشاءات الداخلية واستكمال تدعيم المداخل الخارجية، مع استمرار أعمال تطوير البنية التحتية المحيطة بالأنفاق.
ورغم ذلك، لم يتمكن الباحثون من تأكيد المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية التي تحدثت عن نقل أجهزة طرد مركزي ومكوناتها إلى داخل الجبل، كما لم تظهر الصور المتاحة أدلة كافية تثبت أن المنشأة أصبحت جاهزة لتنفيذ عمليات تخصيب اليورانيوم.
وفي 16 أكتوبر، نشر معهد العلوم والأمن الدولي تحليلا لصور أقمار صناعية التقطت في السابع من الشهر نفسه، كشف استمرار إغلاق المداخل الشرقية للأنفاق، إلى جانب ردم الطرق المؤدية إلى المداخل الغربية باستخدام سواتر ترابية.
واعتبر المعهد أن استمرار تقييد الوصول إلى الموقع لأكثر من شهرين يعزز تقديراته بشأن عدم وجود تشغيل فعلي أو أعمال بناء رئيسية حاليا، مع عدم استبعاد احتمال احتواء المنشأة على معدات أو مواد ذات أهمية استراتيجية.
هل تخفي إيران أجهزة الطرد المركزي داخل جبل الفأس؟
تتعدد التقديرات بشأن الهدف الحقيقي من إنشاء جبل الفأس، في ظل عدم توافر معلومات ميدانية كافية تكشف طبيعة الأنشطة داخل المجمع المحصن.
ويتمثل السيناريو الأول في استخدام المنشأة لتجميع أجهزة الطرد المركزي، وفقا للهدف الذي أعلنته إيران عند بدء المشروع عام 2020. أما السيناريو الثاني فيرتبط بإمكانية تطوير الموقع مستقبلا لاستيعاب أنشطة نووية أوسع، بما قد يسمح بإضافة قدرات جديدة لتخصيب اليورانيوم.
كما تطرح تحليلات غربية احتمالا آخر يتمثل في نقل معدات أو مواد نووية حساسة إلى داخل الجبل، بهدف حمايتها من الضربات الجوية التي قد تستهدف المنشآت النووية الإيرانية.
ويزداد الغموض بسبب الخلاف المستمر حول وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الموقع. فبحسب تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، طلبت الوكالة الحصول على معلومات بشأن المنشأة وإمكانية تفتيشها، لكنها لم تتمكن من إجراء عمليات التحقق الميداني اللازمة لتحديد طبيعة الأنشطة داخلها.
وبالتالي، لا تزال المعلومات المتعلقة بوجود عمليات تخصيب لليورانيوم أو أنشطة مرتبطة بتطوير أسلحة نووية داخل جبل الفأس مجرد احتمالات غير مثبتة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق مؤكدة.
لماذا يصعب على أمريكا تدمير جبل الفأس الإيراني؟
يمثل جبل الفأس تحديا أمام الحسابات العسكرية الأمريكية، بسبب موقعه أسفل كتلة صخرية جرانيتية، إلى جانب تصميم الأنفاق والتحصينات التي تحيط بمداخله.
وتثير هذه الطبيعة الجغرافية تساؤلات بشأن قدرة القنابل الخارقة للتحصينات على الوصول إلى المنشأة وتدميرها بالكامل، حتى مع امتلاك الولايات المتحدة قنابل متطورة، أبرزها القنبلة الأمريكية «جي بي يو 57» التي تزن نحو 30 ألف رطل.
ولا يعني امتلاك هذه القنابل ضمان تدمير المجمع النووي بالكامل، خاصة إذا كان عمق المنشأة أكبر من التقديرات المتاحة أو كانت الأنفاق تضم أجزاء داخلية معقدة لا يمكن تحديدها بدقة من خلال صور الأقمار الصناعية.
ويرى محللو معهد العلوم والأمن الدولي أن أي تحرك عسكري محتمل قد يركز على نقاط الضعف المحيطة بالمنشأة، مثل مداخل الأنفاق وفتحات التهوية والبنية التحتية الداعمة، بدلا من الاعتماد على ضربة جوية واحدة تستهدف قمة الجبل.
ويعكس ذلك أن صعوبة استهداف جبل الفأس لا ترتبط بقوة الأسلحة الأمريكية وحدها، وإنما أيضا بمدى توافر معلومات استخباراتية دقيقة بشأن طبيعة الأنفاق والتصميم الداخلي للمنشأة.
تهديدات ترامب.. هل يتحول جبل الفأس إلى هدف عسكري جديد؟
أعادت تصريحات دونالد ترامب وضع جبل الفأس ضمن أبرز الملفات المرتبطة بالمواجهة الأمريكية الإيرانية، في ظل مساعي واشنطن لمنع طهران من الاحتفاظ بقدرات نووية يمكن إعادة تشغيلها أو توسيعها مستقبلا.
وفي المقابل، تسعى إيران إلى حماية ما تبقى من بنيتها النووية، وتقليل فرص تعرض منشآتها الحيوية لهجمات جديدة، خاصة المواقع التي تتمتع بتحصينات جغرافية يصعب اختراقها.
ورغم حديث ترامب عن إمكانية التعامل مع جبل الفأس خلال 10 دقائق، فإن النتائج العسكرية لأي استهداف محتمل تظل غير محسومة، كما أن تدمير مداخل الأنفاق أو تعطيل البنية التحتية لا يعني بالضرورة الكشف عن محتويات المنشأة أو إزالة جميع المعدات والمواد الموجودة داخلها.
وتكشف التطورات أن جبل الفأس أصبح نقطة اختبار للقدرات العسكرية الأمريكية، وكذلك لمدى فاعلية الرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني. فصور الأقمار الصناعية ترصد منشأة شديدة التحصين ونشاطا إنشائيا ملحوظا خلال عام 2026، لكنها لا تقدم حتى الآن دليلا حاسما على طبيعة الأنشطة النووية التي قد تجري داخل أنفاقها.