أزمة تشكيل الحكومة في إسرائيل.. نتنياهو يتمسك بالسلطة وآيزنكوت يحذر من توظيف الأمن سياسيًا
دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي بعد انتخابات 27 أكتوبر التي أخفقت في منح أي من المعسكرين المتنافسين أغلبية برلمانية تسمح بتشكيل حكومة مستقرة.
وبينما يتمسك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالبقاء في السلطة، يحاول منافسه جادي آيزنكوت بناء بديل سياسي، وسط تحذيرات من استغلال الملفات الأمنية لتحقيق مكاسب حزبية.
وتزداد خطورة الموقف لأن نتنياهو، رغم تعثر معسكره انتخابيا، يستطيع مواصلة إدارة الحكومة بصلاحيات واسعة تشمل القرارات العسكرية، في وقت لا تزال فيه احتمالات التصعيد مع إيران قائمة، وفقًا لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
وأظهرت النتائج النهائية حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعارضة التي يقودها آيزنكوت، فيما فازت الأحزاب العربية بـ19 مقعدًا في الكنيست المؤلف من 120 عضوًا.
ويحتاج أي مرشح لتشكيل الحكومة إلى تأمين دعم 61 نائبًا على الأقل، ما يجعل الأحزاب العربية عاملا حاسما، رغم رفض قوى يهودية عديدة إقامة ائتلاف يعتمد عليها.
نتنياهو يخسر الأغلبية ويتمسك بالحكم
لم تمنح الانتخابات نتنياهو التفويض الذي يحتاج إليه لتشكيل حكومة يمينية مستقرة، لكنها لم تمنح خصومه طريقًا سهلًا لإبعاده عن السلطة، فالمعارضة تضم أحزابا تختلف في توجهاتها السياسية، وقد تواجه صعوبة في الاتفاق على برنامج موحد، خصوصا بشأن القضايا الأمنية والعلاقة مع الأحزاب العربية.
وتبرز أمام آيزنكوت خيارات صعبة، بينها السعي إلى تشكيل ائتلاف يحظى بدعم الأحزاب العربية، أو التفاوض على حكومة وحدة مع نتنياهو، أو محاولة استقطاب نواب من معسكر اليمين، ويصطدم كل مسار بعقبات سياسية، إذ تعهد آيزنكوت بعدم المشاركة في حكومة يقودها نتنياهو، بينما ترفض قوى يمينية التعاون مع الأحزاب العربية.
وإذا فشلت المفاوضات، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة مطلع العام المقبل، مع استمرار نتنياهو في منصبه رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال، ويمنحه ذلك وقتًا إضافيًا لإعادة ترتيب تحالفاته، لكنه يطيل حالة الغموض التي أعقبت الاقتراع.
آيزنكوت يحذر من توظيف الأمن في الصراع السياسي
أثار آيزنكوت جدلا عندما دعا قادة المؤسسة الأمنية والخدمة المدنية إلى مقاومة أي محاولة لاستخدام أمن إسرائيل لتحقيق أهداف سياسية، واعتبر أن نتنياهو، بعد خسارة معسكره الأغلبية، يواصل الحكم من دون تفويض برلماني واضح، محذرًا من أن القرارات الأمنية قد تتحول إلى أدوات لتعزيز موقعه في مفاوضات تشكيل الحكومة.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية بسبب التقارير عن خلافات بشأن توقيت توجيه ضربة محتملة إلى إيران، فقد تحدثت تقارير إعلامية عن مقاومة داخل المؤسسة العسكرية لمحاولات شن هجوم قبل الانتخابات، بينما أثار نتنياهو احتمال استئناف التحرك العسكري بالتنسيق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ورفض مكتب نتنياهو اتهامات استغلال الحرب لأغراض انتخابية، فيما وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحذيرات آيزنكوت بأنها غير ديمقراطية، ويكشف هذا السجال عن توتر بين القيادة السياسية والمعارضة بشأن حدود الرقابة على القرارات الأمنية في مرحلة انتقالية حساسة.
حكومة تصريف الأعمال تحتفظ بسلطات واسعة
لا يعني فشل نتنياهو في الحصول على أغلبية أن صلاحياته التنفيذية تتوقف تلقائيًا، فخبراء قانونيون أوضحوا لرويترز أن حكومة تصريف الأعمال تحتفظ من الناحية القانونية بصلاحيات الحكومة العادية، لكنها تخضع لواجب التحفظ، خصوصا في التعيينات والقرارات بعيدة المدى التي لا تفرضها ضرورة عاجلة، وتصبح المسألة أكثر تعقيدًا في المجال الأمني، حيث قد تبرر الضرورات الملحة اتخاذ قرارات استثنائية.
وأشار خبراء نقلت عنهم رويترز إلى أن القيود على الحكومة المؤقتة لا تمنعها قانونيًا من اتخاذ قرار بالحرب إذا استندت إلى ضرورة أمنية، كما أن المحكمة العليا الإسرائيلية تجنبت تاريخيا التدخل المباشر في قرارات شن الحروب.
وتثير هذه الصلاحيات مخاوف بشأن ضعف الرقابة البرلمانية في الأسابيع التي تلي الانتخابات، قبل اكتمال تشكيل لجان الكنيست الجديدة، وفي ظل غياب أغلبية مستقرة، قد تتخذ الحكومة قرارات عسكرية مؤثرة بينما لا تزال المفاوضات السياسية مفتوحة.
إيران تضاعف مخاطر المرحلة الانتقالية
تضع احتمالات تجدد المواجهة مع إيران الأزمة السياسية الإسرائيلية في سياق أكثر خطورة، فقد أشار نتنياهو إلى فرصة لمواصلة التحرك العسكري بالتعاون مع ترامب، بينما يرى معارضوه أن أي قرار بهذا الحجم يحتاج إلى تبرير أمني واضح ورقابة مؤسسية قوية.
ولا تثبت التحذيرات التي أطلقها آيزنكوت أن نتنياهو يعتزم شن حرب لأسباب انتخابية، لكنها تسلط الضوء على تضارب محتمل بين مصالح الحكومة السياسية ومتطلبات الأمن القومي.
وتزداد حساسية هذا التضارب مع استمرار الخلافات بشأن المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجمات 7 أكتوبر 2023، ومطالب المعارضة بإجراء تحقيق رسمي مستقل.
وتكشف الأزمة أن مستقبل الحكومة لا يتعلق فقط بمن يستطيع جمع 61 مقعدًا، بل أيضا بمن يملك سلطة اتخاذ القرارات العسكرية خلال فترة المفاوضات، وحتى تتشكل حكومة جديدة، سيظل نتنياهو قادرا على ممارسة صلاحيات مهمة، فيما سيواصل آيزنكوت الضغط لمنع استخدام الأمن سلاحا في المعركة السياسية.