مصر تستعد لأكبر عملية تكسير هيدروليكي في تاريخها.. هل تنجح تكنولوجيا الطاقة في تعزيز إنتاج الغاز؟
تستعد مصر لتنفيذ أكبر عملية تكسير هيدروليكي متعدد المراحل في قطاع البترول، في خطوة تستهدف استعادة إنتاج الغاز من بئر أُبيّض H18 بالصحراء الغربية، ومواجهة الضغوط المتزايدة على إمدادات الطاقة المحلية.
وتعتمد العملية على تقنيات متقدمة تستخدمها شركات الخدمات النفطية العالمية لتحسين تدفق الغاز من التكوينات الصخرية، بما يتيح الاستفادة من الآبار القائمة بدلًا من الاعتماد حصريًا على اكتشاف حقول جديدة، وفقًا لصحيفة “أويل برايس” المتخصصة في شؤون الطاقة.
وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه القاهرة تحديا مزدوجا يتمثل في تراجع إنتاج بعض الحقول القديمة، مقابل ارتفاع الطلب المحلي على الغاز، خصوصًا لتوليد الكهرباء والصناعة.
وتراهن وزارة البترول على التكنولوجيا الحديثة وزيادة كفاءة الآبار القائمة لتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، والحد من فاتورة استيراد الغاز الطبيعي المسال.
وأعلنت الوزارة الاستعداد للعملية في 29 أكتوبر، فيما تناولت "يورونيوز" في تقرير سابق التحديات التي تواجه استعادة إنتاج الغاز المصري رغم الاكتشافات الجديدة.
بئر عميقة وخطة من 6 مراحل
تتولى شركة بدر الدين للبترول تنفيذ المشروع في البئر الأفقية أُبيّض H18، التي حُفرت عام 2019، ويبلغ عمق البئر نحو 5630 مترًا، فيما يتجاوز امتدادها الأفقي 1600 متر، وهي مواصفات تتيح تطبيق التكسير الهيدروليكي متعدد المراحل لتحسين الاتصال بين البئر والتكوينات الحاملة للغاز.
وتعتمد الخطة على تنفيذ ست مراحل متتابعة من التكسير، بهدف إنشاء مسارات إضافية تسمح للغاز بالتدفق بصورة أفضل نحو البئر.
وتستخدم العملية معدات ضخ عالية الضغط، مع تجهيزات تسمح بتنفيذ مرحلة التكسير دون الحاجة إلى تشغيل جهاز حفر طوال العملية، قبل استكمال الأعمال الفنية وإعادة البئر إلى الإنتاج.
ووفقًا لوزارة البترول المصرية، وفرت شركة هاليبرتون الأمريكية 18 مضخة عالية الضغط، بقدرة هيدروليكية إجمالية تتجاوز 40 ألف حصان. ويعكس حجم المعدات المطلوبة الطبيعة الفنية المعقدة للمشروع، الذي يستهدف تحسين إنتاج بئر قائمة بدلا من حفر بئر جديدة بالكامل.
لماذا تراهن مصر على الآبار القديمة؟
تواجه مصر معضلة في سوق الغاز: فالاكتشافات الجديدة تدعم فرص زيادة الإمدادات، لكنها لا تضمن وحدها إنهاء العجز بسرعة.
وأوضحت "يورونيوز" في مايو 2026 أن نمو الطلب المحلي على الطاقة، إلى جانب تراجع إنتاج بعض الحقول، يواصل الضغط على ميزان الغاز المصري، رغم اكتشافات جديدة في البحر المتوسط والصحراء الغربية.
وتمنح تقنيات التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي شركات الإنتاج فرصة استخراج كميات إضافية من المكامن القائمة، أو تحسين معدلات الإنتاج في الآبار التي تراجع تدفقها طبيعيًا، وقد تكون هذه الوسيلة أقل استغراقًا للوقت من تطوير اكتشافات جديدة تحتاج إلى دراسات واستثمارات وبنية تحتية قبل دخولها مرحلة الإنتاج التجاري.
وتندرج العملية ضمن خطة وزارة البترول الخمسية لزيادة الإنتاج المحلي وتعظيم الاستفادة من الأصول القائمة، كما تعكس اتجاهًا نحو توظيف التكنولوجيا المتقدمة في الحقول الناضجة، مع محاولة تحسين العائد الاقتصادي من الاستثمارات السابقة في الحفر والمنشآت.
فاتورة الواردات تفرض سباقًا مع الزمن
تكتسب زيادة الإنتاج أهمية خاصة لأن نقص الغاز المحلي يضغط على احتياجات الكهرباء والصناعة، ويدفع مصر إلى تأمين إمدادات إضافية من الخارج.
وتؤثر واردات الغاز الطبيعي المسال في احتياجات البلاد من العملات الأجنبية، بينما يظل تأمين الوقود لمحطات الكهرباء ضروريا لتلبية الطلب خلال فترات الاستهلاك المرتفع.
لكن نجاح عملية أُبيّض H18 لن يحسم وحده أزمة الغاز. فالعائد الفعلي يتوقف على كمية الغاز الإضافية التي ستنتجها البئر، واستمرار تدفقها بمعدلات اقتصادية، وإمكانية تطبيق التقنية على آبار أخرى.
كما أن نمو الاستهلاك قد يمتص جزءًا من أي زيادة جديدة في الإنتاج، حيث تشير تجربة الاكتشافات التي تناولتها "يورونيوز" إلى أن زيادة الاحتياطيات لا تعني بالضرورة تحولها فورا إلى إمدادات متاحة، إذ يتطلب ذلك تطوير الحقول وربطها بالبنية التحتية وبدء الإنتاج الفعلي.
اختبار قابل للتوسع
تتجاوز أهمية المشروع حدود البئر المستهدفة، إذ يمكن أن يصبح نموذجا لتطبيق التكسير متعدد المراحل على آبار أفقية أخرى إذا أثبت نتائج اقتصادية وفنية جيدة، وفي هذه الحالة، قد تتمكن مصر من رفع إنتاج بعض الحقول القديمة، وتأجيل تراجعها، والاستفادة بصورة أفضل من البنية التحتية القائمة.
وتبقى النتيجة الحاسمة مرتبطة بالأرقام التي ستظهر بعد بدء التشغيل: حجم الزيادة الفعلية في إنتاج الغاز، وكلفة استخراج الوحدة الإضافية، ومدى استمرار الإنتاج بعد المعالجة، فالتكنولوجيا توفر أداة جديدة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى اكتشافات واستثمارات مستمرة أو إلى إدارة الطلب المحلي.
وتراهن القاهرة على أن تمنحها العملية مساحة إضافية في مواجهة فجوة الطاقة، غير أن استعادة التوازن ستحتاج إلى الجمع بين رفع الإنتاج، وتسريع تطوير الاكتشافات، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وضمان تدفق الاستثمارات اللازمة لقطاع الغاز.