بين دعم السعودية وحرية القرار.. لماذا تتحفظ مصر على الانضمام لتحالف مكة؟
تواجه مصر معادلة استراتيجية معقدة عقب توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك في مكة يوم 7 أغسطس 2026، وبينما تدعم القاهرة أمن السعودية، وتعتبر استقرار الخليج والبحر الأحمر جزءًا من أمنها القومي، فإنها تتعامل بحذر مع الانضمام إلى تحالف قد يفرض عليها التزامات عسكرية وسياسية تتجاوز طبيعة العلاقات الثنائية.
ويعكس هذا الموقف رغبة مصر في مساندة الرياض، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية الحركة وتجنب الانخراط في صراعات قد لا تتوافق بالضرورة مع أولوياتها الإقليمية.
ويطرح هذا الملف سؤالًا محوريًا تناولته صحيفة «دايلي صباح» التركية: لماذا تظل مصر قريبة من السعودية، بينما لا تنضم إلى اتفاقية الدفاع الجديدة؟.
وتقدم قراءة المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» تفسيرًا يرتبط بحسابات القاهرة الإقليمية، وحرصها على تجنب الاصطفاف الحاد بين القوى المتنافسة، بما يسمح لها بالحفاظ على مساحة للمناورة في التعامل مع الملفات والأطراف المختلفة.
أمن السعودية مرتبط بقناة السويس
لا تنظر القاهرة إلى التهديدات التي تواجه السعودية باعتبارها شأنًا خليجيًا منفصلًا، فالتوترات في اليمن والبحر الأحمر تهدد الملاحة عبر مضيق باب المندب، وهو الممر الذي تعبر منه السفن إلى قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
وكشفت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة مدى حساسية الاقتصاد المصري لأي تصعيد يرفع تكاليف الشحن ويدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها، ولذلك، فإن حماية السعودية من الهجمات وتثبيت الأمن في البحر الأحمر يخدمان المصالح المصرية مباشرة.
لكن التعاون لا يتطلب بالضرورة الانضمام إلى تحالف دفاعي، حيث تستطيع مصر التنسيق مع الرياض في تبادل المعلومات وحماية الملاحة والتشاور العسكري، مع تحديد شكل مشاركتها وفقًا لطبيعة كل أزمة، ويمنحها هذا النهج فرصة دعم السعودية دون الالتزام مسبقا بكل قرار قد يتخذه أعضاء التحالف.
القاهرة تخشى كلفة الالتزام العسكري
تنص اتفاقية مكة على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة عضو هجومًا على الأعضاء الآخرين، مع تعزيز التعاون الدفاعي بينهم، ويمنح هذا البند الاتفاقية وزنًا يتجاوز التنسيق السياسي التقليدي، لأنه يفتح الباب أمام التزامات قد تشمل الدعم العسكري واللوجستي والاستخباراتي.
وتحتاج القاهرة إلى تقييم هذه الالتزامات قبل الانضمام، فالتدخل العسكري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي ترك دروسًا مهمة بشأن مخاطر الاستنزاف، بينما أظهرت الأزمة اليمنية منذ 2015 أن دعم العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة إرسال قوات برية أو المشاركة في حرب مفتوحة.
وتسعى مصر إلى تجنب تكرار سيناريو يستهلك مواردها العسكرية والاقتصادية، خصوصًا مع الضغوط المالية التي تواجهها واحتياجاتها الدفاعية على جبهات متعددة، ومن ثم، لا يمثل الحذر تجاه الاتفاقية تخليا عن السعودية، بقدر ما يعكس رغبة القاهرة في الاحتفاظ بقرارها بشأن توقيت التدخل وحدوده.
التقارب مع تركيا لا يمحو خلافات شرق المتوسط
يشكل انضمام تركيا إلى الاتفاقية أحد أكثر جوانبها حساسية بالنسبة إلى القاهرة، فقد شهدت العلاقات المصرية التركية تحسنا ملحوظا، لكن التقارب السياسي لم ينه جميع الخلافات بشأن ليبيا وشرق البحر المتوسط وترسيم الحدود البحرية.
ووقعت مصر واليونان اتفاقا لترسيم الحدود البحرية عام 2020، بينما وقعت تركيا مذكرة تفاهم بحرية مع حكومة طرابلس الليبية عام 2019، وتظل هذه الملفات جزءا من الحسابات الاستراتيجية المصرية، حتى مع استمرار الحوار مع أنقرة.
وقد يضع الانضمام إلى تحالف دفاعي واحد القاهرة أمام أسئلة معقدة إذا تصاعد خلاف يمس المصالح البحرية أو الإقليمية لأحد أعضائه، لذلك تفضل مصر في المرحلة الراهنة، توسيع التعاون مع تركيا والسعودية وباكستان دون تحويل التقارب إلى التزام دفاعي شامل.
شبكة العلاقات المصرية أوسع من التحالف
توازن القاهرة علاقاتها مع السعودية وتركيا وباكستان من جهة، ومع الإمارات والهند والولايات المتحدة من جهة أخرى، وتمثل الاستثمارات الخليجية والتعاون الدفاعي مع شركاء دوليين عناصر مؤثرة في حساباتها، ما يجعل الانضمام إلى أي محور إقليمي قرارا يحتاج إلى تقدير آثاره على بقية الشراكات.
وتمنح السياسة المرنة مصر فرصة الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف تختلف مصالحها في بعض الملفات، بدلا من حصر خياراتها في إطار تحالف واحد، كما أن الاتفاقية لا تزال تجربة جديدة، ولم تتضح جميع آليات تنفيذها أو حدود الالتزام العسكري الذي تفرضه عند وقوع أزمة.
وتشير التحليلات السياسية إلى أن القاهرة تتبع نهجا حذرا، مع إبقاء احتمال الانضمام قائما إذا تغيرت الظروف، ويعني ذلك أن موقف مصر ليس رفضا نهائيا، بل انتظار لتقييم المكاسب الأمنية والتكاليف السياسية والعسكرية.
دعم الرياض لا يعني التخلي عن حرية القرار
تتقاطع مصالح مصر والسعودية في أمن الخليج والبحر الأحمر، لكن الاتفاق على الأهداف لا يفرض تطابق الأدوات، فالقاهرة تستطيع مساندة الرياض سياسيًا وأمنيًا، وتعزيز التنسيق الثنائي، دون أن تنضم فورًا إلى اتفاقية دفاع مشترك.
ويبقى قرار الانضمام مرهونًا بمدى وضوح الالتزامات، وقدرة التحالف على توفير ردع فعلي، وضمان ألا يتحول إلى مصدر لاستنزاف عسكري أو خلافات مع شركاء آخرين.
وفي حسابات القاهرة، يمثل الحفاظ على استقلال القرار جزءًا أساسيًا من أمنها القومي، تمامًا مثل دعم السعودية وحماية الملاحة الإقليمية.